رواية أنفاس المدينة..1…!
تأليف جليل هاشم البكاء ||
كانت المدينة، كأنها كيانٌ يحتضر. شوارعها تتنفس ثقيلًا تحت وطأة الازدحام، وجوه سكانها تحمل ظلال التعب والانكسار، وكأنها انعكاس لما يسكن أعماقهم. المباني المتهالكة تئن تحت سنوات من الإهمال، أما الأزقة، فقد تحولت إلى متاهة من الظلال والقمامة. في هذا المكان الذي أطلق عليه الناس اسمًا ساخرًا: .. مدينة الفرص …، كانت الفرصة الوحيدة هي النجاة من يومٍ آخر.
كل زاوية في المدينة تحكي حكاية عن الفساد الذي صار قانونًا غير مكتوب. تبدأ الحكايات من قلب المؤسسات الحكومية حيث الأوراق لا تتحرك إلا برشوة، وتنتهي عند الأسواق التي امتلأت بالغش، سواء في البيع أو في العلاقات بين الناس. الكذب أصبح الوسيلة الأسهل للنجاح، والخداع بات أسلوب حياة.
انقطاع التيار الكهربائي صار مشهدًا يوميًا، يجعل الليل أثقل وأكثر سوادًا، حيث تهمس الشموع عن عصور سابقة لم تكن أفضل بكثير. في المستشفيات الحكومية، كان المرضى يتكدسون كأنهم أرقام بلا أسماء، بينما الأطباء في المستشفيات الخاصة يستنزفون آخر ما في جيوب الفقراء بحجة العلاج. أما المدارس، فكانت صورة أخرى للخراب، تتساقط مستويات التعليم فيها كما تتساقط أوراق الخريف، لتفسح المجال أمام التعليم الأهلي الذي يبيع شهادات بلا قيمة، ويربي أجيالًا من الحالمين بالهروب.
وفي خضم هذا المشهد الكئيب، كان هناك رجلٌ يحمل في عينيه نورًا مختلفًا. جليل، واحدٌ من المهاجرين الذين غادروا هذه المدينة قبل سنوات، هاربًا من بطش الحكم السابق الذي سقط بعد ثورة ألهبت القلوب. ولكن قد صادر تاريخها الغزو والاحتلال، عاد جليل بعد أن ظن أن التغيير قد تحقق، لكنه وجد نفسه في ظل حكم جديد، تحكمه الأحزاب التي تكاثرت كالأشباح، كلٌ منها يدعي وصلاً بالمدينة، بينما هي تنهبها بلا رحمة.
جليل، الذي عاش سنواتٍ طويلة في المنفى، لم يكن مجرد عائد يبحث عن ذكريات قديمة. كان يملك تساؤلات كثيرة تدور في رأسه: كيف وصلت المدينة إلى هذا الدرك؟ لماذا تحول الحلم الذي قاد الثورة إلى كابوسٍ جديد؟ ومن المسؤول عن كل هذا الخراب؟ لكنه سرعان ما أدرك أن الأسئلة وحدها لا تكفي. فقرر أن يخوض رحلة طويلة، بين الأزقة المظلمة والمكاتب المترفة، لكشف جذور الفساد الذي استوطن مدينته.
بدأ بحثه من حيث يعيش الناس، حيث الحكايات التي لا تكتب في الصحف ولا تروى على المنابر. قابل العاطلين عن العمل الذين يقضون أيامهم في المقاهي، والطلاب الذين تركوا الدراسة لأن التعليم صار تجارة، والأمهات اللواتي يبعن خبزًا بايتًا لسد رمق أطفالهن. ثم اتجه إلى قلب المدينة، إلى مراكز السلطة حيث الملفات المخفية والوجوه المبتسمة التي تخفي أطماعًا لا تنتهي.
ومع كل خطوة، كان يقترب من الحقيقة، لكنه كان يعلم أن الحقيقة وحدها قد تكون أثقل من أن يحتملها. لم يكن يبحث فقط عن أسباب الانهيار، بل عن أملٍ قد يساعده في إعادة بناء ما تهدم. ومع ذلك، كانت الأسئلة تلاحقه: هل يمكن تغيير مدينة تعيش على أنقاض أحلامها؟ وهل يكفي نورٌ واحد ليبدد هذا الكم من الظلام؟
وتستمر الأحداث
بقلم جليل هاشم البكاء





