الاثنين - 26 اكتوبر 2026
منذ ساعة واحدة
الاثنين - 26 اكتوبر 2026

🖋️ قاسم سلمان العبودي ||

 

 

 

في الذكرى السنوية السابعة لانطلاق حراك تشرين ، الذي شهدته بغداد اليوم عادت بعض الشعارات إلى واجهة المشهد الاحتجاجي في ساحة التحرير بشكل مستنسخ ، ومن بينها شعار ( العمامة لا تمثلني ) و أيران بره بره الذي رفعته بعض الناشطات الباشطات في فن التسلق لطوابق المطعم التركي ، المشاركات في الحراك ، مستعِداتٍ ذكريات الاعتصام والليالي الحمراء ، والخيام التي نُصبت آنذاك في شوارع العاصمة .

وهنا يبرز السؤال: ما الذي فعلته العمامة بالعراق حتى تصبح هدفاً لهذه الشعارات ؟ هل هي التي تسببت في تردي الخدمات وانقطاع الكهرباء ؟ أم أنها المسؤولة عن ارتفاع سعر صرف الدولار ، وتضخم الجهاز الحكومي بالمناصب والمستشارين ، وما يرافق ذلك من إخفاقات في إدارة الدولة ؟ أم أن توجيه الانتقادات نحو العمامة أسهل من مواجهة المسؤولين عن الأزمات الحقيقية التي يعاني منها المواطن العراقي ؟

ونسأل مرة أخرى : هل أغلقت ايران المطارات بوجه الطائرات العراقية ، أم أغلقت الحدود والمنافذ مضيقه الخناق على أقتصاد العراق ، حتى تنادون ايران بره بره ؟

إن رفع مثل هذه الشعارات لا يمكن فصله ، من وجهة نظرنا ، عن الصراع الفكري والسياسي الدائر في العراق ، ولا عن محاولات بعض الجهات استثمار الاحتجاجات وتوجيهها نحو أهداف تتجاوز المطالب الخدمية والمعيشية المشروعة . وهنا تبرز ضرورة التمييز بين الاحتجاج الوطني الذي يسعى إلى الإصلاح ومحاسبة المقصرين ، وبين الخطابات التي تختزل أزمات البلاد في رموز دينية ، وكأنها تتحمل مسؤولية كل ما أصاب الدولة من إخفاقات .

وللتذكير ، فإن العمامة التي يستهدفها هذا الشعار ليست في نظر أصحابها ومريديها ، مجرد مظهر ديني ، بل هي رمز لمدرسة فكرية وموقف سياسي يرفع شعار مقاومة الهيمنة الأستكبارية والدفاع عن قضايا الأمة . وهي وفق هذا المنظور تقف في مواجهة مشاريع النفوذ الأميركي ، وتساند القضية الفلسطينية وأبناء غزة في مواجهة العدوان الصهيوني ، في وقت عجزت فيه مواقف أمة المليار مسلم عن الارتقاء إلى مستوى التحديات التي تواجه منطقة غرب آسيا .

إن الاختلاف مع العمامة ، أو مع أي تيار ديني أو سياسي ربما يكون حق لا يمكن مصادرته ، كما أن نقد التجارب السياسية ومحاسبة ممثليها أمر مشروع وضروري . لكن تحويل الاختلاف إلى استهداف شامل ، وإطلاق الأحكام المطلقة من دون تمييز بين المواقف والأشخاص ، لا يخدم الحقيقة ولا يفتح طريقاً للإصلاح .

أن الشعارات لا تصبح حقائق لمجرد رفعها في الساحات . وإذا كان الهدف هو بناء عراق أفضل ، فإن معيار المواقف ينبغي أن يكون ما تقدمه من خدمة للناس ، وما تتخذه من مواقف تجاه السيادة الوطنية والعدالة الاجتماعية وكرامة الإنسان ، لا أن ترتفع الأصوات المأجورة بشعار أيران بره بره !! والعمامة لا تمثلني .

وفي المقابل، فإن من يرفع شعار ( العمامة لا تمثلني ) عليه أن يوضح للرأي العام ما البديل الذي يطرحه، وما المشروع الذي يحمله للعراق، وكيف يواجه الأزمات الحقيقية بعيداً عن الشعارات الاستفزازية والاستقطاب المجتمعي .

إن العمامة التي تدافع عن كرامة الأمة وسيادة أوطانها ستبقى موضع تقدير لدى من يرى فيها رمزاً للمقاومة والثبات ، مهما ارتفعت الأصوات المناوئة لها . أما كرامة العراق ، فلا يحميها شعار وحده ، بل تحميها المواقف الصادقة ، ومحاسبة الفاسدين ، والوقوف بوجه كل مشروع ينتقص من سيادة البلاد وحقوق شعبها . ويبقى السؤال :

العمامة لا تمثلكم … أم الكرامة لا تعنيكم ؟؟