الاثنين - 26 اكتوبر 2026

سكنٌ أم سراب؟ حين يصبح البيت حلمًا مؤجلًا لجيل كامل..!

الاثنين - 26 اكتوبر 2026

علي مؤيد محي الدين ||

 

 

 

 

“لا تسألني متى أتزوج… اسألني أين أسكن”

في مدنٍ تتوسع أفقيًا وعموديًا، وتُرفع فيها الأبراج واللافتات، يقف جيلٌ كامل على الحد الفاصل بين حلمٍ يراوده وواقعٍ لا يرحمه. ليس السؤال الذي يؤرّق هذا الجيل: “ماذا سأعمل؟” بل “أين سأسكن؟”. فبين راتبٍ لا يتجاوز حدود الضرورة، وإيجارٍ يلتهم نصفه، وسوقٍ عقارية تتحرك بمنطق المضاربة لا بمنطق الحاجة، تحوّل السكن من حقٍّ طبيعي إلى امتيازٍ لا يُنال إلا بشروطٍ قاسية.

هذه ليست أزمة أفراد. إنها أزمة بنية.

حين تتحول الحاجة إلى سلعة

السكن لم يكن يومًا مجرد جدران وسقف. إنه الاستقرار، والعنوان، والشرط الأول الذي يضعه الأهل قبل أن يوافقوا على زواج ابنتهم. لكن شيئًا ما انكسر في المعادلة: تحوّل البيت من حقٍّ إنساني إلى سلعةٍ استثمارية، ومن ضرورةٍ إلى ورقةٍ يُتداول سعرها في سوقٍ لا ترحم.

في الأسواق العقارية، تُشترى الشقق لا لِتُسكن، بل لِتُحتكر. تُترك مغلقةً سنوات، ثم تُطرح بسعرٍ مضاعف. من يشتريها لا يبحث عن بيت، بل عن صفقة. ومن يبحث عن بيت… يقف خارج الطابور.

المجمعات السكنية: واجهة لامعة وخلفها فراغ

على مداخل المدن، تنتصب لافتاتٌ ضخمة لمشاريع إسكان “عملاقة”. صورٌ ملونة لشققٍ حديثة، حدائق، مسابح، أمنٌ على مدار الساعة. لكن من يقف أمام هذه اللافتات ويعرف الأسعار، يدرك سريعًا أن هذه الجنة ليست له.

هذه المشاريع لم تُبنَ لمن يعانون أزمة السكن. بُنيت لمن يستثمرون في أزمة السكن. أسعارها تتجاوز قدرة الموظف ومتوسط الدخل، وشروطها تضعها خارج متناول الغالبية. والنتيجة أن العرض يزداد… والطلب الحقيقي يبقى بلا إجابة.

طبقةٌ سقطت من كل الحسابات

في قلب الأزمة تقف فئةٌ لا يذكرها أحد: الموظف، المعلم، المهندس، الطبيب الشاب، صاحب الدخل المتوسط. هؤلاء لا يستطيعون شراء وحدات المشاريع الفاخرة، ولا يستطيعون تحمّل إيجارات السوق الحرة التي تلتهم نصف رواتبهم، ولا تنطبق عليهم برامج الدعم الموجهة للفقراء. هم في المنتصف: لا هم أغنياء بما يكفي، ولا فقراء بما يستحقون المساعدة.

هذه الفئة هي التي تؤجل الزواج. وهي التي تكتفي بغرفةٍ في بيت العائلة. وهي التي تدفع شهريًا مبلغًا يكفي لشراء سيارة، مقابل سقفٍ مستأجر لا يملك منه حجرًا واحدًا.

القرض الذي لا يُمنح إلا… بكفيل

على الورق، يبدو التمويل العقاري حلًا. في الواقع، هو فخٌّ آخر.

شروطٌ معقدة، فوائد مرتفعة، وأبرزها: كفيل. شرطٌ يستبعد تلقائيًا كل من لا يملك موظفًا في العائلة أو معارفَ في القطاع العام. في بلدٍ يعمل فيه كثيرون في القطاع الحر بلا ضمانات اجتماعية، يصبح الكفيل هو الفيصل بين من “يستحق” قرضًا ومن لا يستحق. والعقار نفسه، الذي يُفترض أن يكون ضمانة القرض، لا يُعتمد كضمانة كاملة. فيبقى المواطن مطالبًا بضمانتين: ضمانة العقار… وضمانة البشر.

العشوائيات: الوجه الآخر للعجز

حين يغلق كل باب، لا يبقى أمام الناس إلا أن يبنوا لأنفسهم بابًا. هكذا تنشأ العشوائيات: ليس لأن الناس يحبون الفوضى، بل لأن السوق الرسمي أخرجهم منها. أماكن غير مخططة، بلا خدمات، بلا صرف صحي، بلا مدارس قريبة، لكنها… رخيصة. وهكذا يدفع المواطن ثمن عجز السياسة الإسكانية مرتين: مرة بإيجارٍ يفوق طاقته، ومرة بسكنٍ يفتقر لأبسط مقومات الحياة الكريمة.

المضاربة: يدٌ خفية ترفع السعر

في العمق، ثمة آليةٌ لا تُرى لكنها تتحكم بكل شيء: المضاربة. عقاراتٌ تُشترى بلا نية السكن، تُحتجز عن السوق، ثم تُطرح بأسعارٍ لا تعكس قيمتها الحقيقية. النتيجة أن الأسعار ترتفع لا لأن الطلب زاد، بل لأن العرض اختُطف. والمواطن، الذي لا يملك ترف الانتظار، يدفع الفرق.

هل هناك أمل؟

تتحدث الخطط الحكومية عن تحويل أراضٍ مملوكة للدولة إلى مشاريع سكنية مخدومة، وعن مدنٍ جديدة تُبنى خارج مراكز المدن المزدحمة. الأفكار ليست سيئة على الورق. لكن السؤال الذي يطرحه الناس في الشارع أبسط بكثير: من سيضمن أن تصل هذه المشاريع إلى من يحتاجها فعلًا؟ لا إلى من يستثمر فيها. لا إلى من يوزعها بالمحاصصة. لا إلى من يبيعها بعد سنوات بضعف سعرها.

خاتمة: حين يُؤجل الحلم… تتأجل الحياة

أزمة السكن ليست أزمة اقتصاد فقط. إنها أزمة عمرٍ يُؤجل فيه الزواج، وتُؤجل فيه الإنجاب، وتُؤجل فيه فكرة الاستقرار نفسها. جيلٌ كامل يعمل، ويحلم، ويصبر… لكنه لا يجد مكانًا يضع فيه رأسه.
السكن ليس رفاهية. إنه بداية الحياة. ومن لا يجد بداية، كيف يُطلب منه أن يكمل الطريق؟

الكاتب علي العبيدي