الاثنين - 26 اكتوبر 2026

قال تعالى: أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ من سورة النساء 77..!

منذ ساعة واحدة
الاثنين - 26 اكتوبر 2026

✍ السيد بلال وهبي ||

 

 

 

(اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا)

قال تعالى: أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللَّهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً وَقَالُوا رَبَّنَا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتَالَ لَوْلَا أَخَّرْتَنَا إِلَىٰ أَجَلٍ قَرِيبٍ قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقَىٰ وَلَا تُظْلَمُونَ فَتِيلًا ﴿سورة النساء: 77﴾.

تذكر بعض روايات سبب النزول أن نفرًا من المسلمين كانوا في مكة يعانون أذى المشركين واضطهادهم، فطلبوا من رسول الله (ص) الإذن بقتالهم، لكنه أمرهم بكفِّ أيديهم، وإقامة الصلاة، وإيتاء الزكاة. ثم لما هاجروا إلى المدينة، وكتب الله عليهم القتال، تردّد بعض الذين كانوا يستعجلونه من قبل، وخافوا مواجهة العدو.

وهنا أمر يستحق التأمل: أن يتحول القتال في نظر بعض الناس من أمنية يطالبون بها إلى تكليف يترددون أمامه. غير أن دلالة هذا التحول لا تُفهم بمعزل عن الظروف، وإنما تتضح حين يكون التراجع ناشئًا عن الخوف أو التهرب من المسؤولية، لا عن تقدير مشروع للعواقب. فالحماسة للقتال لا تثبت وحدها شجاعة الإنسان، كما أن رفع الشعارات لا يثبت استعداده لتحمل تبعاتها. فقد يكون الاندفاع تعبيرًا عن غضب لحظي، أو رغبة في رد الاعتبار، لكنه يتراجع عندما يصبح القرار مسؤوليةً فعلية، وتصبح له أثمان من الدماء والأموال والأرواح. ولهذا لا تكفي الأقوال وحدها للحكم على صدق الموقف؛ بل يظهر صدق الالتزام حين يحين وقت المسؤولية، وتُختبر الأقوال بالأفعال والقدرة على تحمل التبعات.

تأمَّل، قارئي الكريم، هذه المفارقة في واقعنا العربي والإسلامي: تُحشدُ الجيوش، وتُسخَّرُ المنابر الإعلامية، وتُنفق الأموال الطائلة لتأجيج الصراعات بين أبناء الأمة، وتُستثارُ العواطف حتى يصبح الاقتتال الداخلي أمرًا يسهل تبريره. لكن حين تكون القضية مواجهة عدوان حقيقي، أو حماية شعب مظلوم، أو تحمّل تبعات موقف مشترك، تتعدد الأعذار، ويُضخَّمُ العجز، ويُترك المستضعفون المظلومون لمصيرهم. وهنا يحق لنا أن نسأل: لماذا يسهل على العرب والمسلمين أحيانًا أن يواجه بعضهم بعضًا، بينما يصعب عليهم أن يتفقوا على موقف يحمي حقوقهم ويصون كرامتهم؟ ولماذا يكاد يكون من المستحيل أن يتفقوا على مواجهة عدو الأمة الذي يقتل أبناءها، ويستبيح أمنها، ويحتل بين الفينة والفينة المزيد من أرضها.

ليست المشكلة في كل امتناع عن الحرب، فالحروب قرارات خطيرة، ولها شروطها الشرعية والسياسية، ويجب تقدير القدرة والعواقب ومصالح الناس. إنما المشكلة في ازدواجية المعايير، أن تُستباح الدماء بسبب خلاف يقع بين أبناء الأمة الواحدة، ثم تُستحضَر الحجج لتبرير العجز حين تتطلب المسؤولية موقفًا يحمي المظلوم أو يدفع العدوان.

إنه الخوف المستقر في نفوس هؤلاء، خوفهم من العدو، وارتعادهم من مجرد التفكير في مواجهته، هذا إن أحسنا الظن، مع أن إحسان الظن يحتاج إلى الكثير من المبررات التي تتخطى الواقع الموضوعي. أما إذا كنّا واقعيين فإن أبناء الأمتين العربية والإسلامية قد تحكمت فيهم منظومات سياسية وعقدية جعلت العدو حليفًا والأخ في الدين عدوًا لدودًا لا يباح قتله فحسب، بل يجب قتله تقرُّبًا إلى الله. وهذه المنظومات تملك جيوشًا من السياسيين والمفكرين والمعممين والإعلاميين الذي ينشطون في تبرير القعود عن قتال عدو الأمة، بل يشيطنون كل فعل مقاوم له، في حين يفتون بوجوب قتال أي فئة من أبناء الأمة تختلف معهم في أمر عقدي أو سياسي.

هؤلاء هم المصداق الأمثل لقوله تعالى: ﴿يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللَّهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً وَقَالُوا رَبَّنَا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتَالَ لَوْلَا أَخَّرْتَنَا إِلَىٰ أَجَلٍ قَرِيبٍ﴾. ولطالما سمعنا خطابات هؤلاء، وقرأنا مواقفهم، يتحدثون عن الجهاد، وحماية المقدسات، والدفاع عن الأمة، فلما كان يجد الجد، ويباشر العدو عدوانه، لا يكتفون بالهجوم على شرفاء الأمة الذين يثبتون قبالة الأعداء دفاعا عن الأمة كلها، ولا بتبرير العدوان، ينخرط بعضهم في مساندة المعتدي سياسيًا وماليًا وإعلاميًا، بقدر ما يستطيعون.
وقولنا لهؤلاء ما ختمت به الآية الكريمة، ﴿قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقَىٰ وَلَا تُظْلَمُونَ فَتِيلًا﴾.

✍ السيد بلال وهبي
فجر يوم الإثنين الواقع في: 26/10/2026 الساعة (04:45)