الأحد - 25 اكتوبر 2026

من سيقبض ثمن الهتافات مقعدا نيابيا ؟!

منذ 8 دقائق
الأحد - 25 اكتوبر 2026

زيد الحسن ||

 

زيد الحسن

 

 

 

ليست كل تظاهرة طريقًا إلى التغيير ، وليست كل دعوة إلى الاحتجاج مشروعًا وطنيًا ، فبين صرخة المظلوم وحسابات المتربصين مسافة لا يدركها الحماس وحده ، بل تكشفها النتائج حين تنطفئ الهتافات .

من ساحات الاحتجاج إلى مقاعد السلطة :
في كل موجة احتجاج كبرى يولد حزب جديد أو يتشكل تجمع سياسي يرفع شعارات التغيير ، ثم سرعان ما يجد طريقه إلى الطبقة السياسية ذاتها التي خرج الناس للاعتراض عليها ، فتتبدل الوجوه وتتغير اللافتات لكن النهج يبقى كما هو وكأن التظاهرات لم تكن سوى وسيلة لإعادة تدوير السلطة ومنحها أسماء جديدة وشرعية مستحدثة وهنا يصبح السؤال مشروعًا كم من ثورة انتهت إلى صناعة طبقة سياسية جديدة لا إلى إنهاء أسباب الثورة ؟

الضحايا الذين لا يحصدون سوى الذكريات :
في المقابل يدفع الشباب الثمن الأثقل فتُفجع العائلات وتبقى الأرامل والأيتام في مواجهة واقع لا يرحم ، بينما لا يجد كثير من الضحايا بعد سنوات سوى أسماء تُخلّد في الجدران والأنفاق وأناشيد تُتداول في مواقع التواصل الاجتماعي ، وما أشد قسوة أن يتحول دم الإنسان إلى ذاكرة موسمية وأن يصبح الوفاء للضحايا كلمات تُقال فيما تظل المطالب التي خرجوا من أجلها معلقة ويواصل آخرون تسلق السلالم التي شُيّدت بتضحياتهم .

حين يختبئ أصحاب المصالح خلف حماسة الشباب :
لا يمكن إنكار أن بين المتظاهرين من يخرج بدافع وطني صادق مؤمنًا بأن الاحتجاج وسيلة لاسترداد الحقوق ومواجهة الفساد ، لكن الساحات المفتوحة قد تصبح أيضًا مجالًا لاستغلال الغضب الشعبي من قوى تمتلك أهدافًا خاصة وحسابات لا علاقة لها بمطالب الناس ، فهناك من ينتظر لحظة الاضطراب ليصفّي حساباته ، وهناك من يريد إسقاط خصومه لا إصلاح البلاد وهناك من يدفع الشباب إلى المجهول بينما يحتفظ لنفسه بمسافة آمنة بعيدًا عن الخسائر والمأساة ، أن الشاب قد يظن أنه يصنع المستقبل فيما تُرسم خلفه خرائط لا يعرف وجهتها ولا المستفيدين منها .

لست ضد الاحتجاج بل ضد المغامرة بمصير الأجيال :
قد يسألني سائل هل أنت ضد التظاهرات ؟ وجوابي واضح أنا ضد التظاهرات التي تُدفع إليها الجماهير بلا قيادة مسؤولة ، ولا رؤية محددة ، ولا أهداف قابلة للتحقيق ، ولا تصور واضح لما بعد إسقاط الواقع القائم ، وأنا ضد إشعال أزمة جديدة تُضاف إلى أزمات العراقيين ، وضد دفع جيل آخر إلى التضحية بمستقبله في سبيل مشاريع غامضة ، لكنني لست ضد الاحتجاج المنظم الذي يقوده شخص أو إطار وطني معروف بالنزاهة والإخلاص وتكون له رسالة واضحة وخطة معلنة ومسؤولية أخلاقية وسياسية عن مسار الحراك ونهايته فالقيادة الحقيقية ليست في القدرة على إطلاق الهتاف بل في القدرة على حماية الناس وتحديد الأهداف وتقديم البدائل وعدم التخلي عن الجماهير حين يحين وقت دفع الثمن .

إن الوطن لا يحتاج إلى تظاهرات تتكرر فيها الخسائر وتتبدل بعدها الوجوه ، بل إلى حراك واعٍ يعرف لماذا يبدأ وإلى أين يتجه ، وكيف يحقق أهدافه دون أن يترك وراءه جيلًا جديدًا من الخيبات ، فليس كل من دعا إلى التغيير قادرًا على صناعته وليس كل من تصدر المشهد جديرًا بقيادة الناس ، وأخطر ما يمكن أن يحدث للعراقيين هو أن يظلوا يدفعون ثمن المستقبل بينما يظل المستقبل نفسه مجهولًا .