العلياوي أصدقُ العراقيينَ..!
زمزم العمران ||

قال تعالى في محكم كتابه : {لَئِن بَسَطتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ ۖ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ}
تمر علينا الذكرى السابعة للفاجعة الأليمة التي استهدف فيها الشهيد القائد وسام جاسم محمد طاهر العلياوي (أبو جعفر)، في جريمةٍ ستبقى جرحاً في ذاكرة العراق، وشاهداً على مرحلةٍ اختلطت فيها الشعارات بالمصالح، و ارتفعت فيها أصواتٌ بأسم الوطن، بينما كان الوطن نفسه يقف على حافة الهاوية.
إن حب العراق ليس شعاراً يُرفع في الساحات، ولا خطاباً يُتقن بعد انقضاء الخطر، إنما هو موقفٌ يُمتحن حين تضيق الأرض بأهلها، وتصبح البلاد مهددةً بالسقوط، هناك، تتمايز الرجال، فـمنهم مَن يختار المواجهة و منهم من يختار النجاة و منهم من لا يكتشف وطنيته إلا حين يعود الأمن و تُطوى صفحات الخطر.
كان وسام العلياوي من الرجال الذين اختبرتهم المحن، فحضر حين احتاج الوطن إلى أبنائه و خاض ميادين المواجهة، من حزام بغداد إلى جبهات القتال وصولاً إلى الحدود العراقية السورية، في مرحلةٍ كان فيها العراق يواجه أخطاراً وجودية، لم تكن وطنيته أدّعاءً مؤجلاً، بل موقفاً حاضراً في ميادين الخطر، حيث لا تحمي الشعارات أصحابها، ولا تُقاس المواقف بعلوّ الأصوات، بل بحجم ما يتحمله الرجال من أجل بلادهم.
وهنا يفرض السؤال نفسه: أين كانت الأصوات التي تتهم الآخرين و تخونهم حين كانت الأرض مهددة، والدم العراقي يُراق، والمدن تواجه خطر السقوط؟، وأين كانت تلك الوطنية حين كان العراق بحاجةٍ إلى من يدافع عنه، لا إلى من ينتظر انتهاء المعركة ليحتكر الحديث بأسم الوطن؟
إن النقد و المطالبة بالإصلاح حقّان مشروعان، لكنّهما يفقدان معنييهما حين يتحولان إلى غطاءٍ للعنف او وسيلة للتحريض و التصفية، ومن حق العراقيين أن يسألوا عن الظروف التي أحاطت بجريمة اغتيال أبي جعفر، وعن الجهات التي حرّضت أو أسهمت في صناعة المناخ الذي انتهى بتلك الفاجعة، وعن دور الخطاب الإعلامي الذي غذّى الانقسام و التخوين، وهي اسئلة لا ينبغي أن تُدفن تحت ركام النسيان، بل يجب ان تُجاب عنها بالأدلة و التحقيق العادل، بعيداً عن التعميم و الاتهامات التي لا تستند إلى أثبات.
لقد كان الشهيد وسام العلياوي ضحية لجريمة لا يمحوها الزمن، وتزداد فداحتها بما رافقها من اعتداء على أخوته، وتبقى مناشدته المؤلمة: (اتقوا الله نحن عراقيون) بما تحمله من دلالة وطنية و إنسانية، صرخةً تختصر مأساة رجلٍ استنجد بهوية الوطن الجامعة، في لحظةٍ كان فيها الدم على وشك ان يُسكت كل صوت.
فأي سلميةٍ تُرفع رايتها فيما تُستخدم الأسلحة و القاذفات و القنابل؟ وأي إصلاحٍ يمكن أن يبرر الاعتداء على الجريح أو تعريض المسعفين للخطر؟ إن حرمة الدم العراقي لا تتجزأ، ورفض الجريمة لا يتبدل بتبدل هوية مرتكبها أو شعاراته، فما يُدان حين يقع على الأبرياء في غزة، يجب أن يُدان بالمعيار الأخلاقي نفسه حين يقع على العراقيين، فالإنسانية لا تتجزأ، ودم الضحايا لا يحمل جنسيةً تبرر انتهاكه إن المقارنة هنا ليست حكماً على شعبٍ أو حركةٍ بأكملها، ولا دليلاً بحد ذاتها على وجود ارتباط مباشر أو غير مباشر بين جهات مختلفة بل هي تأكيد على حقيقة أخلاقية ثابتة، حين تستهدف سيارات الاسعاف، ويجهز على الجرحى، ويستباح الدم، تسقط كل الشعارات التي تحاول تجميل الجريمة.
سبع سنوات مرت وما زالت الفاجعة تذكرنا بأن الأوطان لا يحميها من يجيد الحديث عنها فحسب، بل من يثبت على موقفه حين تصبح التضحية ثمناً للموقف.
رحم الله أبا جعفر و إخوته، وأنصفهم بالحق، وكشف الحقيقة كاملةً، وجعل دماءهم شاهداً على أنّ الشعارات مهما علت، لا تستطيع أن تحجب الحقيقة إلى الأبد.
سلامٌ على وسام العلياوي، يوم وقف ونادى بالعراقية حين أرادوا ان يمزقوا العراقيين، ويوم ارتقى شهيداً و بقي اسمه سؤالاً مفتوحاً في ضمير الوطن.




