العراق بين التصعيد الخارجي والاحتقان الداخلي: مصادفة أم تقاطع مصالح؟!
سالم رحيم عبد الحسن ||
25/10/2026

يشهد العراق تزامناً لافتاً بين تصاعد الضغوط الاقتصادية والاحتقان السياسي والشعبي، وبين التهديدات الأمريكية والإسرائيلية تجاه الجمهورية الإسلامية في إيران، في مشهد إقليمي بالغ التعقيد قد تمتد تداعياته إلى المنطقة بأسرها. وفي ظل هذه الأجواء، تبرز تساؤلات مشروعة بشأن طبيعة العلاقة بين الأزمات الداخلية وتوقيتها، ومدى انعكاس الصراع الخارجي على الاستقرار العراقي.
اقتصادياً، يواجه المواطن ارتفاع الأسعار وتقلبات سعر صرف الدولار، فيما تشهد أسواق العقارات والسيارات تراجعاً في الحركة. وجاء قرار إغلاق منفذ الشيب الحدودي ليضيف عبئاً جديداً على محافظة ميسان، نظراً إلى أهمية المنفذ في تنشيط الحركة التجارية، وتوفير فرص العمل، وتحريك الأسواق المحلية. وقد بلغ التصعيد حد تلويح رئيس مجلس المحافظة بالعصيان المدني، بالتزامن مع عقد أعضاء مجلس النواب الممثلين للمحافظة مؤتمراً صحفياً داخل قبة البرلمان، للمطالبة بإيجاد حلول سريعة للأزمة. وهو ما يستدعي تحركاً عاجلاً عبر الحوار والقنوات الرسمية، بما يحفظ مصالح أبناء المحافظة ويراعي المتطلبات الأمنية.
ولا يمكن النظر إلى إغلاق منفذ الشيب بوصفه إجراءً اقتصادياً عابراً، فآثاره تتجاوز حركة التجارة والأسواق إلى أبعاد اجتماعية وإنسانية ترتبط بطبيعة محافظة ميسان وامتداداتها التاريخية. فأبناء المحافظة يمتلكون عمقاً اجتماعياً وعشائرياً يمتد إلى الجانب الإيراني، ولا سيما في مناطق الأهواز، حيث تربط عشائر عربية على جانبي الحدود علاقات من القرابة والنسب والمصاهرة والتاريخ المشترك. ومن ثم، فإن إغلاق المنفذ لا يقتصر أثره على تعطيل المصالح التجارية، بل يحدّ أيضاً من التواصل بين مجتمعات ارتبط بعضها ببعض عبر أجيال طويلة.
وفي موازاة ذلك، عادت دعوات إحياء احتجاجات تشرين إلى الواجهة، وسط ظروف اقتصادية وسياسية حساسة. ولا جدال في مشروعية المطالب الشعبية المتعلقة بمكافحة الفساد وتحسين الخدمات والأوضاع المعيشية، لكن التحدي يكمن في منع استغلال هذه المطالب أو توظيف الأزمات في صراعات سياسية تتجاوز أهدافها المعلنة.
هنا يبرز السؤال: هل نحن أمام أزمات داخلية متراكمة تزامنت بفعل تعقيدات الواقع وسوء المعالجة، أم أن توقيتاتها وتداعياتها قد تتقاطع مع مصالح أطراف تسعى إلى إعادة تشكيل المشهد الإقليمي؟
إن اجتماع الضغوط الاقتصادية، وإغلاق منفذ حيوي، والتلويح بالعصيان المدني، وتصاعد الدعوات إلى تحريك الشارع، بالتزامن مع التهديدات الخارجية، يفرض قراءة متأنية للمشهد. غير أن التحليل المسؤول يقتضي التمييز بين الوقائع والاحتمالات السياسية؛ فالتزامن وحده لا يثبت وجود مخطط، لكنه يفرض مراقبة التطورات، وتحليل نتائجها، ومعرفة الجهات التي قد تستفيد من استمرار الأزمات أو تفاقمها.
وفي هذا السياق، لا يمكن إغفال احتمال أن تستثمر الولايات المتحدة وإسرائيل حالة الارتباك الإقليمي والداخلي لخدمة حساباتهما تجاه إيران والمنطقة. لكن تحديد طبيعة هذا الاستثمار، إن وجد، يتطلب أدلة وقرائن واضحة، لا الاكتفاء بقراءة التوقيتات أو إطلاق الأحكام المسبقة. فالسؤال ليس فقط: من يقف وراء الأزمات؟ بل أيضاً: من يستفيد من استمرارها؟ ومن يتحمل كلفتها؟ ولماذا تتعثر معالجتها قبل أن تتحول إلى بؤر توتر متشابكة؟
إن الخطر الحقيقي يكمن في ترك الأزمات تتفاعل من دون حلول، حتى تتضخم تداعياتها ويصبح احتواؤها أكثر صعوبة. فالأزمة الاقتصادية قد تتحول إلى احتقان شعبي، والاحتقان قد يتطور إلى مواجهة سياسية، فيما يمكن للتوتر الإقليمي أن يزيد المشهد تعقيداً ويحدّ من قدرة الدولة على إدارة أولوياتها.
ومن هنا، تقع على عاتق الحكومة والقوى السياسية مسؤولية التحرك السريع لمعالجة الأزمات ، وتوضيح أسباب القرارات المؤثرة في حياة المواطنين، وفتح أبواب الحوار مع ممثلي محافظة ميسان، وصون حق المواطنين في التعبير السلمي، مع حماية مؤسسات الدولة وسيادة العراق من التداعيات المحتملة للصراعات الإقليمية.
كما تقع على عاتق القوى السياسية التي تتصدى لتمثيل المواطنين مسؤولية اتخاذ موقف واضح يعبر عن تطلعات جماهيرها ويدافع عن مصالحها. فمن يعتقد أن إغلاق المنافذ الحدودية يمثل حصاراً للجمهورية الإسلامية في إيران وحدها، من دون أن تكون له انعكاسات مباشرة على العراق وشعبه، يغفل جانباً مهماً من حقيقة المشهد؛ إذ إن العراق، ولا سيما محافظة ميسان، يتحملان جانباً من كلفة هذا الإغلاق اقتصادياً واجتماعياًوانسانيأ، بما يمسّ أرزاق المواطنين وحركة الأسواق وفرص العمل والمرضى والطلبة وزوار العتبات المقدسة وايضا السياحة والترفيه فضلاً عن تقييد التواصل مع الامتدادات العشائرية والاجتماعية عبر الحدود.
إن التعامل مع هذه الملفات يجب ألا يكون بمنطق المصلحة الآنية ، بل بمنطق حماية المصالح الوطنية ومراعاة مصالح المواطنين، مع التأكيد أن أمن الحدود ومتطلباتها لا يتعارضان مع ضرورة البحث عن حلول تضمن استمرار النشاط الاقتصادي المشروع، وتخفف الأعباء عن أبناء المحافظة، وتحافظ على الروابط الاجتماعية التاريخية بين المجتمعات المتجاورة.
إن المرحلة الراهنة لا تحتمل الاستهانة بالمؤشرات، ولا ترك الأزمات تتراكم حتى تتشابك خيوطها وتتعقد نتائجها. بين الاملات الخارجية وتقاطع المصالح وهذه مساحة واسعة لا تُحسم بالشعارات، بل بقراءة الوقائع والتوقيتات والنتائج، وبالقدرة على التمييز بين ما تثبته الأدلة وما تطرحه التحليلات من احتمالات.
فهل تبادر القوى السياسية والحكومة إلى احتواء الأزمات قبل أن تتشابك وتتحول إلى أزمة وطنية أوسع، أم يُترك المشهد يتجه نحو مزيد من الاضطراب، ليدفع المواطن العراقي ثمن صراعات وأزمات مطبوخة.




