الأحد - 25 اكتوبر 2026
منذ ساعتين
الأحد - 25 اكتوبر 2026

 المهندس يونس الكعبي ||

 

 

 

كلمة «دللول» من الكلمات العريقة في التراث الشعبي العراقي، وترتبط ارتباطاً وثيقاً بأغاني الأمهات لتهدئة الأطفال وتنويمهم، وهي جزء من الذاكرة العاطفية والاجتماعية للأم العراقية، ولا سيما في المجتمع الريفي والبيئة الشعبية القديمة.
عندما كانت الأم العراقية تهدهد طفلها وتردّد:
دللول يا الولد يا ابني دللول
عدوك عليل وساكن الچول
فهي لا تكتفي بمحاولة تنويم طفلها، بل تعبّر عن حبها له، وتمنّياتها بحمايته، وتستحضر في كلماتها مشاعر الأمومة والحنان، وأحياناً التحدي والانتصار على من يتمنى الأذى لابنها.
ما المعنى اللغوي والشعبي لكلمة «دللول»؟
تُستخدم «دللول» في اللهجة العراقية بوصفها لازمة غنائية للتدليل والتهدئة، وتُقال للطفل بحنان أثناء هزّ المهد أو احتضانه. وهي قريبة في وظيفتها من عبارات مثل «نم يا حبيبي» و«يا مدلل أمك».
ومن المهم التمييز بين المعنى الشعبي للكلمة وأصلها اللغوي؛ فاستعمالها في أغاني الأمهات واضح ومتوارث، أما اشتقاقها اللغوي الدقيق فليس محسومًا بما يكفي للجزم بأصل واحد.
ماذا تعني عبارة «عدوك عليل وساكن الچول»؟
يمكن فهم العبارة على النحو الآتي:
«عدوك عليل»: أي إن من يعاديك أو يتمنى لك الشر ضعيف ومريض، ولا يملك القدرة على إيذائك.
«وساكن الچول»: كلمة «الچول» تُستخدم في هذا السياق للدلالة على الأرض المقفرة أو البرية الخالية من العمران والسكان. 
وبذلك تكون العبارة تعبيراً شعبياً عن أمنية الأم بأن يعيش ابنها آمناً، وأن يكون أعداؤه بعيدين عنه، عاجزين عن الوصول إليه.
هل تعود كلمة «دللول» إلى اللغة السومرية؟
هناك رواية متداولة في بعض الكتابات الصحفية والتراثية تقول إن كلمة «دللول» ذات أصل سومري، وإنها ترتبط بتعبير يفيد معنى «عزيزي الوحيد» أو «حبيبي». وقد تناولت الصحافة العراقية هذه الرواية عند الحديث عن ترانيم الأمهات القديمة. 
لكن من الناحية العلمية، ينبغي التعامل مع هذا الاشتقاق بحذر؛ فتداول الرواية لا يكفي وحده لإثباتها لغوياً، كما توجد تفسيرات أخرى لأصل الكلمة ووظيفتها في التهويدات العراقية. لذلك لا يصح الجزم بأن أصلها سومري من دون الاستناد إلى دراسة لغوية متخصصة وأدلة نصية موثقة.
الدلالة الأعمق في وجدان الأم العراقية
إن أجمل ما في «دللول» أنها ليست مجرد أغنية لتنويم الأطفال، بل تحمل في نغمتها وكلماتها شيئاً من تاريخ الحياة العراقية، بما فيها من حنان الأم وخوفها على ابنها، ومن قلقها على مستقبله في عالم لا يخلو من القسوة.
ولعل العبارة الأكثر تأثيراً هي أن الأم، وهي تضم طفلها إلى صدرها، تتمنى له السلامة، لكنها تستحضر أيضاً وجود عدوّ تتمنى أن يبقى بعيداً عنه. وقد قرأ بعض الكتّاب في هذه التهويدة مسحة من الحزن والشكوى الاجتماعية التي عرفها المجتمع العراقي عبر أجيال. 
وهكذا، فإن «دللول» في معناها الشعبي أقرب إلى نداء أمومي حنون يجمع بين التدليل والتهدئة والتمني بالحماية، فيما تكشف كلماتها عن مشاعر أعمق من مجرد الرغبة في نوم الطفل. إنها صوت الأم العراقية وهي تمنح ابنها الأمان في مهد طفولته، وتحلم له بمستقبل لا تطاله فيه يد الأذى.