ارهاصات مجنون.. اليمن لا سلم ولا حرب..!
د. طالب الشوكة ||

الحكاية في اليمن لم تبدأ بصاروخ أُطلق، بل بتهميش وإقصاء تراكم لعقود طويلة. من رحم هذا التراجع وُلد الصراع، وبرزت جماعة “أنصار الله” (الحوثيون) كمكون يمني أصيل فرض نفسه بقوة ليجلس اليوم على كرسي الحكم في صنعاء ومساحات واسعة من الشمال. في المقابل، تقف الحكومة الشرعية ممثلة بمجلس القيادة الرئاسي، مدعومة بتشكيلات عسكرية متنوعة في عقيدتها وولاءاتها الجغرافية، مثل درع الوطن، وألوية العمالقة بسلفيتها الواضحة، إضافة إلى القوى والقبائل المحلية في الجنوب والشرق.
لكن الصراع لم يظل محلياً؛ فالأجندات الإقليمية دخلت على الخط لتعيد رسم المشهد. السعودية تقود جهوداً واضحة لدعم الشرعية وحماية أمنها القومي من أي تهديد، بينما تتوجه أصابع الاتهام – إقليمياً ودولياً – نحو إيران لمد الحوثيين بالدعم العسكري والتقني كجزء من أوراق نفوذها الواسعة. ورغم الهدنات الكثيرة وتراجع وتيرة المعارك الكبرى، إلا أن ظل الإقليم يظل هو المتحكم الخفي بموازين القوة.
في صنعاء. حسابات الحوثيين تتجاوز الجغرافيا اليمنية؛ فمواقفهم من التصعيد في البحر الأحمر وخليج عدن مرتبطة بشكل مباشر بحرب غزة ورسائلهم الإقليمية. ومع ذلك، لا يُغفل أن لديهم حسابات داخلية صارمة لتثبيت أقدامهم وإحكام السيطرة تحسباً لأي تسوية قادمة.
في عدن. النفوذ السعودي يظهر بوضوح في الدعم المالي والسياسي وتوجيه دفة الترتيبات الأمنية. لكن التحدي الأكبر هناك ليس في الحوثيين وحدهم، بل في المعسكر المناهض لهم نفسه؛ فتعدد الفصائل وتباين أهدافها يجعل توحيد القرار العسكري والسياسي للحكومة أشبه بالمهمة المستحيلة. منذ التدخل العسكري في 2015 وحتى اليوم، بات واضحاً أن لغة الحسم العسكري سقطت من الحسابات. الحوثيون ثبتوا حكمهم في الشمال وطوروا ترسانتهم العسكرية، بينما حافظت الحكومة على شرعيتها والغطاء الخليجي.
النتيجة المرة لكل ذلك هي حالة لا سلم ولا حرب. حالة جمود سياسي وانقسام جغرافي مريح نسبياً لبعض الأطراف. فبينما يمتلك الحوثيون مسيّرات وصواريخ وقدرات غير تقليدية تقلق حتى القوى الكبرى كأمريكا وبريطانيا، وتمتلك القوى المدعومة من التحالف تفوقاً جوياً وتمويلياً ولوجستياً، لا يستطيع أي طرف إلغاء الآخر؛ جغرافيا اليمن الوعرة تحمي الحوثيين، والشرعية والدعم الخارجي يحميان الحكومة، لكن أياً منهما لا يملك مفتاح النصر المطلق.
المعضلة الحقيقية اليوم لا تتعلق بمن يملك سلاحاً أطول، بل بمن يستطيع تحويل نفوذه الميداني إلى مكاسب سياسية حقيقية تفتح باب الدولة والمؤسسات.
والأسئلة الأهم التي تفرض نفسها.. لماذا تطيل الأطراف أمد هذه الأزمة؟
الواقع أن استمرار حالة اللاحرب واللاسلم قد تحول إلى مصلحة لبعض قوى الداخل والخارج؛ فهو يتيح لهم تثبيت أقدامهم وترتيب أوراقهم دون دفع فاتورة المواجهة الشاملة. والأدهى أن بقاء الأزمة قد يكون أقل كلفة لهم من إنهائها، بينما الضحية الوحيد هو المجتمع اليمني الذي يدفع الثمن باهظاً في معيشته وأمنه واستقرار مستقبله. لهذا، إنهاء هذه المأساة لن يتم بتعديل كفة معركة عسكرية هنا أو هناك، بل بجرأة سياسية تعالج الجذور الأولى للأزمة، وتصيغ عقداً جديداً يجمع اليمنيين على دولة واحدة تستعيد سيادتها ومؤسساتها.




