كفٌّ صغيرة.. وحلمٌ لا يكفي..!
حسن عبد الهادي زاير العڰيلي ||

رأيتُ اليوم ما لا تحتمله القلوب. طفلٌ يركض نحو الدكان، قابضًا بكفّه الصغيرة على ربع دينار، كأنه يحمل كنزًا، وفي عينيه حلمٌ بقطعة حلوى أو عصيرٍ يفرح به قلبه. وقف أمام البائع ومدّ يده، فجاءه الجواب كالصفعة: «لم يعد يكفي، صارت قطعة الحلويات بخمسمئة دينار!»
تجمّد الصغير في مكانه. حدّق في الربع دينار الذي في كفّه، كأنه يستجديه أن يكبر، ثم رفع عينيه إلى الرفّ حيث الحلوى المرصوصة تسخر منه. كانت نظرته حسرةً أكبر من عمره، وعيناه تائهتين لا تعرفان أين تستقران: على كفٍّ خذلته، أم على بائعٍ لا ذنب له، أم على عالمٍ كان يظنه أرحم من هذا. ارتسمت على وجهه تلك الصفنة العراقية الموجعة، وانكسر في داخله شيءٌ لا يُقدَّر بثمن، ثم استدار ومضى بخطى متثاقلة، وقد ضمّ كفّه على الربع كمن يضمّ جثمان حلمه.
وما كاد يبتعد حتى جاءت طفلةٌ بضفيرتين تركض بالأمل نفسه، تُخفي في قبضتها مصروف يومها، أو هبةً مدّها إليها والدها صباحًا وهو يعدها بفرحةٍ صغيرة. وقفت أمام الدكان، فتحت أصابعها بحذرٍ كمن يكشف سرًّا، ثم سمعت الجواب نفسه. أطرقت، وارتجفت الضفيرتان، وأطبقت كفّها من جديد على هبة أبيها كأنها تخشى أن يراها أحدٌ وقد عجزت عن شراء الفرح بها. وجاء بعدها صبيٌّ حافي القدمين، وأخوان يمسك الكبير بيد الصغير ويعِده بما لا يملك، ثم آخر وآخر وآخر. طابورٌ من البراءة يتكرر فيه المشهد بلا رحمة؛ كلُّ طفل يمدّ يده بحلمه، وكلُّ طفل يعود بنظرةٍ تائهة وكفٍّ مطبقة على لا شيء، حتى بدا الدكان كله محكمةً تحكم على الطفولة بالحرمان.
يا لوجع الفقر حين يتسلّل إلى أحلام الصغار، فيسرق منهم فرحةً لا تتجاوز قطعة حلوى! ويا لقسوة الظلم حين يبلغ حدًّا يُحرم فيه الأبرياء من أبسط ما خُلق للأطفال. فأيُّ وطنٍ هذا الذي تُقاس فيه الفرحة بسعر الصرف، ويُقاس فيه انكسار القلوب بارتفاع الدولار؟ وأيُّ ذنبٍ جناه هؤلاء ليُعلَّموا الحساب باكرًا على أبواب الدكاكين، قبل أن يتعلموه في الصفوف؟
لكنني أؤمن أن هذه الانكسارات لن تبقى صامتة إلى الأبد. فكلُّ نظرةٍ حسيرة من تلك العيون التائهة تُدوَّن في سجلّ الأيام، وكلُّ كفٍّ عادت فارغة ستكبر يومًا وتحمل في قبضتها ما هو أثقل من ربع دينار؛ ستكبر لتصير نارًا تتّقد في صدور المظلومين، فتحرق جذور الفساد والظلم، وتلاحق العابثين بلقمة العراقيين وكرامتهم. وإن غدًا لناظره قريب، بإذن الله.



