الأربعاء - 28 اكتوبر 2026
الأربعاء - 28 اكتوبر 2026

حسن عبد الهادي زاير العڰيلي
باحث في الشأن العراقي وسياسات الهجرة والنزوح

 

 

تُروى حكايةٌ عن أستاذٍ في كلية القانون دخل قاعته في آخر لقاءٍ يجمعه بطلابه قبل تخرجهم بشهر، وقد بدا عليه الغضب، فانهال على أنجب طلابه بالصراخ والإهانة، ثم أمره بمغادرة القاعة، فغادر الطالب صامتًا. أتمّ الأستاذ محاضرته كأن شيئًا لم يكن، ثم أعلن أن الحاضرين جميعًا راسبون. وحين احتجّوا وسألته الإدارة عن السبب، أجاب بأنهم رأوا ظلمًا بيّنًا يقع على زميلهم فلم يتكلم أحدٌ منهم، حتى الطالب المظلوم لم يسأل عن السبب، ومن كان هذا شأنه فلا يُؤتمن على حقوق الناس أمام الدولة والقانون.
قد تبدو الحكاية مسرحيةً تربوية مصنوعة، غير أن قيمتها ليست في وقوعها حرفيًا، بل في أنها تضع مرآةً أمام سلوكنا اليومي. فالظلم في أغلب أحواله لا يحتاج إلى جمهورٍ يصفّق له، يكفيه جمهورٌ يصمت. وما أكثر القاعات التي ندخلها، من مكاتب الوظيفة إلى المجالس العامة، فنرى فيها ما رأى أولئك الطلاب، ثم نؤثر السلامة ونحتمي بحجةٍ مألوفة: «وما شأني؟».
والسلوك الإنساني حين يُقرأ بتجرّد يكشف أن الصمت ليس حيادًا كما نحب أن نوهم أنفسنا، بل هو موقفٌ مقنَّع وانحيازٌ غير معلن إلى الطرف الأقوى. فمن يسكت عن الظلم يضع مصلحته الصغيرة في كفة وكرامة غيره في كفة أخرى، ثم يرجّح الأولى. وهكذا يتحول الخوف على وظيفةٍ أو علاقةٍ أو حظوةٍ إلى ثمنٍ يدفعه المظلوم وحده، ويقبض الساكتون مقابله طمأنينةً زائفة.
والأخطر أن الصمت يصير بالتكرار ثقافة. فحين يرى الناس أن من تكلم دفع الثمن ومن سكت نجا، تتعلم الجماعة درسها سريعًا، فيغدو الجبن حكمة، والتزلف دهاءً، والانحياز إلى صاحب النفوذ ذكاءً اجتماعيًا. وعندئذٍ تفقد المؤسسات روحها وإن بقيت لافتاتها، فالقانون لا يحميه نصٌّ مكتوب بقدر ما تحميه شجاعة من يطبّقونه ويشهدون له. وما قيمة شهادةٍ تمنح صاحبها لقب المحامي إن كان لا يجرؤ على قول كلمة حقٍّ في قاعةٍ تعجّ بزملائه؟
ومن هنا تأتي دلالة الحكاية في باب القيادة والإدارة. فالقائد الناجح ليس من يملك أعلى صوت، بل من يصنع بيئةً يأمن فيها الضعيف على حقه قبل القوي، وتُرفع فيها المظلمة عن صاحبها مهما قلّ شأنه، لأن العدالة التي تُجزَّأ بحسب المنزلة لا تبقى عدالة. والمؤسسة التي يُكافأ فيها المتملقون ويُعاقَب فيها الصادقون تُنشئ أجيالًا من الساكتين، ثم تتساءل عن سرّ انهيارها.
غير أن في الصورة وجهًا آخر لا يجوز إغفاله. ففي كل زمانٍ وكل قاعة تقف قلّةٌ لا تساوم، تقول ما تراه حقًّا ولو كان ثمنه العزلة والخسارة. هؤلاء قلةٌ في العدد، كثرةٌ في الأثر، فما تحركت عجلة التاريخ نحو الأفضل إلا بأكتافهم. بهم يحفظ العالم ما بقي من توازنه الأخلاقي، وبهم لا يتحول الظلم إلى قاعدة. وكأن الدنيا على اتساعها وضجيجها قائمةٌ على هؤلاء الذين لم يخضعوا لمنطق المصلحة، لا على الأغلبية التي خضعت له.
إن السؤال الذي تتركه الحكاية معلقًا في وجوهنا ليس: لماذا رسب الطلاب؟ بل: كم مرةً رسبنا نحن دون أن يخبرنا أحد؟ كم مرةً خرج مظلومٌ من قاعتنا فواصلنا محاضرتنا كأن شيئًا لم يكن؟ إن الامتحان الحقيقي لا يُعقد في آخر العام، بل يُعقد كل يوم، في لحظةٍ يجتمع فيها الحق والخوف على مائدةٍ واحدة، ويُطلب منا أن نختار.
hassanalisar@gmail.com