الأربعاء - 28 اكتوبر 2026

حين يصبح الفساد ثقافة تحميها السياسة..!

الأربعاء - 28 اكتوبر 2026

حسن عبد الهادي زاير العگيلي ||
باحث في الشأن العراقي

 

 

 

على هامش القبض على وكيل وزارة الصناعة والمعادن متلبساً بالرشوة، لا تكمن القضية في واقعة فساد جديدة فحسب، بل في منظومة أعمق جعلت الفساد يتحول، بعد عام 2003، من سلوك مرفوض أخلاقياً وقانونياً إلى ثقافة سياسية وممارسة مألوفة، تحيط بها شبكات المصالح، وتوفر لها الحماية بعض القوى والشخصيات السياسية، حتى باتت المحاسبة استثناءً، والإفلات من العقاب قاعدة غير مكتوبة.

إن استغراب الناس من الفاسد وفاسديه يعكس حجم التحول الذي طرأ على منظومة القيم؛ إذ ترسخت في الوعي العام صورة نمطية تربط العمل السياسي بالفساد والسرقة والرشوة والاحتيال، بوصفها وسائل لجمع الثروات الشخصية. وبذلك، أصبح ما يجري يُنظر إليه أحياناً باعتباره أمراً طبيعياً؛ فهذا سيئ الحظ أوقعه فساده، وذاك شاطر نجح في استثمار نفوذه وعلاقاته لمصلحته.

وهنا تكمن المشكلة الحقيقية: حين يتحول الفساد من سلوك مرفوض إلى ثقافة متجذرة، ومن جريمة تستوجب العقاب إلى ممارسة تحميها المصالح والتوافقات السياسية، يصبح الفاسد جزءاً من منظومة تتبادل المنافع وتدافع عن أعضائها، لا فرداً يواجه وحده تبعات أفعاله.

إن أخطر ما أصاب الحياة السياسية ليس وجود الفاسدين وحده، بل تطبيع الفساد وتراجع حساسية المجتمع تجاهه، حتى بات البعض ينظر إلى نجاح الفاسد بوصفه شطارة، وإلى سقوطه بوصفه سوء حظ، متجاهلاً أن الخاسر الأكبر هو المواطن والدولة ومستقبل الأجيال.

فحين يصبح الفساد ثقافة، وتحميه السياسة، وتُقاس الكفاءة بقدرة المسؤول على اقتناص المكاسب لا بتحقيق الصالح العام، فإن المشكلة لا تعود في فاسد سقط، بل في منظومة ما زالت قادرة على إنتاج الفاسدين وحمايتهم.