البيشمركة عراقيون في الهوية والتاريخ والمصير… فمن يملك حق إنكار عراقيتهم؟!
حسن عبد الهادي زاير العگيلي ||
باحث في الشأن العراقي وسياسات الهجرة والنزوح

يثير الاستغراب أن ترتفع أصوات تطعن في عراقية البيشمركة وانتمائهم إلى الوطن، متناسية أن التاريخ لا يُمحى بخصومة سياسية، وأن دماء العراقيين لا تُوزن بقومية أصحابها أو بمواقف أحزابهم. فهل يُعقل أن يُشكَّك في عراقية مناضلين واجهوا دكتاتورية صدام حسين، وقدموا التضحيات في سبيل الحرية والكرامة، فيما كانت آلة البعث تمارس القمع والقتل والتهجير بحق العراقيين، وفي مقدمتهم أبناء الشعب الكردي؟
لا يمكن كتابة تاريخ مقاومة دكتاتورية البعث من دون الإقرار بدور الحركة الكردية والبيشمركة في مواجهة نظام صدام حسين. فقد ارتبطت مسيرتهم بعقود من النضال، وامتزجت تضحياتهم بآلام شعبهم، من مجزرة البارزانيين عام 1983، حين اختفى الآلاف من الرجال البارزانيين قسراً وقُتلوا، إلى جريمة الأنفال عام 1988، والقصف الكيميائي لمدينة حلبجة الذي أودى بحياة آلاف المدنيين، فضلاً عن حملات التهجير والتدمير التي طالت القرى والمناطق الكردية.
هذه ليست تفاصيل عابرة في كتاب التاريخ، بل شواهد على حجم المعاناة التي عاشها الكرد في ظل النظام الدكتاتوري، وعلى الثمن الباهظ الذي دفعه المقاتلون وعائلاتهم في مسيرة النضال. ولا يجوز أن تتحول تلك الدماء إلى مادة للنسيان أو المزايدة، لمجرد اختلاف سياسي في الحاضر.
ومن ذاكرة هذه المسيرة تبرز أسماء ملا مصطفى بارزاني، وإدريس بارزاني، وجلال طالباني، ومسعود بارزاني، وعلي عسكري، وعزيز عقراوي، وخسرو الجاف، إلى جانب قيادات ومناضلين ومقاتلين كثيرين حملوا مسؤولية المواجهة في مراحل مختلفة. وخسرو الجاف، الذي جمع بين النضال والفن والأدب والعمل السياسي، يمثل جانباً من صورة العراقي الكردي الذي لم ينفصل انتماؤه الوطني عن هويته القومية وإبداعه الثقافي.
وقد اختلفت الأدوار والتوجهات، وتباينت المواقف السياسية، لكن ذلك لا يلغي حقيقة أن الحركة الكردية كانت جزءاً من تاريخ العراق الحديث، وأن البيشمركة لم يكونوا غرباء عن معركة العراقيين ضد الاستبداد. كما أن تضحيات العراقيين من مختلف القوميات والمناطق والتيارات تظل جزءاً من ذاكرة وطنية واحدة، لا يجوز احتكارها أو الانتقاص من أي فصل من فصولها.
إن نقد الأحزاب والقيادات حق مشروع، ومراجعة الأخطاء السياسية ضرورة وطنية، لكن تحويل الخلاف إلى طعن في هوية مكوّن عراقي أصيل أمر آخر تماماً. فلا يجوز تحميل شعب كامل أخطاء جهة سياسية، ولا إنكار تضحيات مقاتلين بسبب مواقف لا نتفق معها اليوم.
لقد كان حلم العراقيين أن يتحرر وطنهم من دكتاتورية البعث، وأن يُبنى عراق لا يُضطهد فيه كردي بسبب قوميته، ولا يُقصى فيه عربي بسبب رأيه، ولا يُحرم فيه أي مواطن من حقوقه بسبب دينه أو مذهبه أو انتمائه. وهذا الحلم لا يكتمل بإعادة إنتاج خطاب الإقصاء، ولا بتقسيم العراقيين إلى من يُسمح لهم بادعاء الوطنية ومن يُطلب منهم إثباتها.
البيشمركة عراقيون، والكرد مكوّن أصيل من شعب العراق، وعراقية الإنسان لا تحتاج إلى إذن من أحد. فالعراق وطن العرب والكرد والتركمان والكلدان والآشوريين والسريان والإيزيديين وسائر مكوناته، وتاريخه حصيلة تضحيات أبنائه جميعاً.
ومن يريد إنصاف العراق، فليقرأ تاريخه كاملاً، لا وفق خصوماته الراهنة. أما الدماء التي سالت في حلبجة، وضحايا الأنفال ومجزرة البارزانيين، وتضحيات أجيال من المناضلين، فلا ينبغي أن تُمحى من الذاكرة الوطنية.
فهل يُعقل أن نحتفي بالخلاص من الدكتاتورية، ثم نطعن في عراقية من قاوموها؟ وهل يُعقل أن تكون دماء الكرد عراقية حين نتحدث عن مآسي العراق، ثم تصبح هويتهم موضع تشكيك حين تختلف الحسابات السياسية؟
إن الوطن الذي نطمح إليه لا يحتاج إلى محاكم تفتيش في عراقية أبنائه، بل إلى ذاكرة منصفة، ومواطنة متساوية، واحترام متبادل، وإيمان راسخ بأن تنوع العراق مصدر غنى وقوة، لا ذريعة للتنازع والإقصاء.



