حين تستدعي المملكة السعودية المفتي إلى الجبهة..!
مظهر الغيثي ||

في لحظة الحرب لا تختبر الدول أسلحتها فقط، بل تختبر قدرتها على الصمود.
والسؤال الذي يفرض نفسه اليوم في السعودية ليس لماذا تحدث المفتي، وإنما لماذا تحتاج الرياض في هذه اللحظة إلى استدعاء الخطاب الديني لحشد الجنود ورفع معنوياتهم؟
فالسعودية التي أعادت خلال السنوات الماضية رسم حدود العلاقة بين الدولة والمؤسسة الدينية، تبدو اليوم وكأنها تعيد استخدام هذه المؤسسة في وظيفة مختلفة: منح المعركة بعدا معنويا، وتعزيز صبر الجنود واستعدادهم لتحمل كلفة المواجهة.
والتوقيت مهم.
فالخطاب جاء في ظل تصعيد عسكري متبادل، وبعد وصول الهجمات إلى مواقع وأهداف حساسة داخل المملكة، وفي وقت تتحرك فيه الرياض لتعزيز جاهزيتها وتوسيع تعاونها الدفاعي مع دول إقليمية.
فهل نحن أمام تمهيد لمعركة سعودية أكثر قسوة؟
أم أن رفع مستوى التعبئة والجاهزية هو رسالة ضغط هدفها دفع الطرف الآخر إلى قبول التهدئة والعودة إلى التفاوض؟
قد يكون الاثنان معا.
فأحيانا لا تكون التعبئة مقدمة للحرب، بل جزءا من التفاوض عليها.
عندما ترفع الدولة جاهزيتها العسكرية، وتستدعي حلفاءها، وتمنح جنودها خطابا دينيا ومعنويا، فهي لا تعلن بالضرورة أن قرار الحرب قد اتخذ، لكنها تقول للخصم إن كلفة استمرار التصعيد قد أصبحت أعلى.
وهنا تكمن المفارقة السعودية.
الدولة التي قلّصت خلال السنوات الماضية مساحة النفوذ التقليدي للمؤسسة الدينية تعود إليها عندما تحتاج المواجهة إلى أكثر من الطائرات والصواريخ.
لكن هذا الخيار يحمل مخاطرة أيضا.
فإذا نجحت التعبئة في تحقيق الردع وفتح الطريق أمام التهدئة، تكون قد أدت وظيفتها.
أما إذا طال أمد المواجهة وارتفعت الخسائر، وتحول الخطاب الديني إلى خطاب استقطاب مذهبي، فقد يصبح الصراع أكثر تعقيدا من الناحية السياسية والأمنية.
لذلك قد لا يكون خطاب المفتي إعلانا لحرب شاملة بقدر ما هو رسالة متعددة الاتجاهات:
رفع للمعنويات في الداخل، ورفع للجاهزية عسكريا، ورسالة ضغط إلى الطرف الآخر، مع إبقاء باب التفاوض مفتوحا.
والأيام القادمة ستكشف أي الطريقين ستسلك الرياض:
طريق التصعيد نحو مواجهة أوسع، أم طريق استخدام القوة والجاهزية للعودة إلى التفاوض من موقع أقوى؟




