الأربعاء - 23 سبتمبر 2026

العراق بين الاستقرار الأمني والتهديدات الإقليمية..!

منذ ساعتين
الأربعاء - 23 سبتمبر 2026

د. طالب الشوكة ||

 

 

 

يواجه العراق تهديدات وإشكالات سياسية وأمنية تبيّن حجم العبء الواقع على المواطن العراقي، الذي يخوض محاولات متواصلة للتعافي وسط بيئة إقليمية ودولية متقلبة. فالتهديد الأكبر لا يرتبط فقط بما يجري داخل الحدود، بل بمكانة العراق وموقعه الجغرافي والجيوسياسي المفتوح، وما يمكن أن يترتب على ذلك من مخاطر تحوّل أراضيه إلى ساحة لتصفية الحسابات بين الأطراف الإقليمية والقوى الدولية.

وتدرك السلطات الرسمية أن حماية الاستقرار الداخلي تبدأ من تعزيز سيطرة مؤسسات الدولة الأمنية، والتأكيد على حصر السلاح بيدها، ومنع أي خروقات يمكن أن تنطلق من الأراضي العراقية واتفهم الموقف بالنسبة للحكومة والمقاومة الاسلامية وكلاهما على حق بما يخشيانه ولهم اسبابهما المنطقية حسب فهمي البسيط ورغم انعكاس الحالة سلباً على علاقات البلاد مع محيطها الإقليمي.

فالعراق، بحكم موقعه وثقله، لا يستطيع أن ينأى بنفسه تماماً عن أزمات المنطقة، لكنه يستطيع أن يقلل من احتمالات تحوله إلى طرف مباشر في صراعات لا تخدم مصالحه الوطنية.

وتزداد المخاطر عندما تتعرض ممرات الطاقة والملاحة أو الموانئ الإقليمية إلى توترات أمنية، لما لذلك من انعكاسات مباشرة وغير مباشرة على الاقتصاد العراقي، الذي يعتمد بدرجة كبيرة على الإيرادات النفطية في تأمين الرواتب والاستيراد وتمويل الإنفاق العام.

ومن هنا، فإن أي اضطراب إقليمي لا يبقى محصوراً في حدوده الجغرافية، بل قد ينتقل سريعاً إلى الأسواق وأسعار السلع وحركة التجارة وثقة المستثمرين.

لقد عاش المواطن العراقي حروباً وصراعات متتالية منذ ثمانينيات القرن الماضي، مروراً بحرب الخليج والحصار الاقتصادي، ثم الاحتلال الامريكي عام 2003، واحتلال داعش، والحروب ضد الإرهاب، مقدماً تضحيات كبيرة دفاعاً عن بلده والحفاظ على كيان دولة تمتد جذورها إلى آلاف السنين. وكان المواطن في كل تلك المراحل أول من يضحي، وأكثر من يتحمل النتائج، وغالباً ما يكون آخر من يجني ثمار الاستقرار اذا جنى ….؟ .

ولذلك، فإن الهاجس الأمني لدى العراقي اليوم لا ينطلق من الخوف المجرد، بل من تجربة تاريخية قاسية جعلته يدرك أن أي شرارة إقليمية قد تتحول إلى أزمة داخلية، وأن البلاد دفعت ثمناً باهظاً نتيجة صراعات لم تكن دائماً طرفاً أصلياً فيها. فالمواطن الذي أنهكته الحروب لا يريد العودة إلى المربع الأول، ولا يرغب في أن تتحول أرضه مرة أخرى إلى ساحة مواجهة بين قوى متنافسة.

ورغم التحديات، يبقى الشارع العراقي أكثر نضجاً في تعامله مع التهديدات، وأكثر حرصاً على المحافظة على المكتسبات الأمنية التي تحققت بعد سنوات طويلة من العنف والإرهاب. وهناك شعور بالارتياح النسبي نتيجة تحسن الوضع الأمني مقارنة بمراحل سابقة، انعكس على حركة الأسواق والأنشطة الاجتماعية وعودة الحياة إلى الفضاءات العامة والشوارع ليلاً.

غير أن هذا الاستقرار يظل بحاجة إلى حماية سياسية واقتصادية واجتماعية، لأن الأمن لا يترسخ بالمعالجة العسكرية وحدها، بل يتطلب دولة قادرة على إدارة علاقاتها الخارجية بحكمة، وضبط حدودها، ومنع استخدام أراضيها للإضرار بالآخرين، وفي الوقت نفسه حماية مواطنيها من انعكاسات الصراعات الإقليمية. إن العراق لا يحتاج إلى الدخول في محاور جديدة بقدر حاجته إلى تثبيت موقعه الوطني المستقل، وإبعاد نفسه عن سياسة الاصطفافات الحادة، وبناء علاقات متوازنة مع محيطه العربي والإقليمي والدولي. فالمصلحة العراقية تقتضي أن يكون العراق جسراً للتواصل لا ساحة للصراع، وأن تتحول جغرافيتة من مصدر قلق إلى عنصر قوة واستقرار. وفي نهاية المطاف، فإن المواطن العراقي، الذي تحمل الحروب والحصار والإرهاب، يستحق دولة تمنحه فرصة للعيش بأمان، لا دولة تجعله يدفع مجدداً ثمن توترات المنطقة.

فالاستقرار الأمني الذي تحقق يمثل مكسباً مهماً، لكن الحفاظ عليه يتطلب قراراً وطنياً واضحاً يمنع انزلاق العراق إلى صراعات الآخرين، ويضع مصلحة المواطن فوق الحسابات الإقليمية والدولية.