حين تتفكك العائلة العراقية.. من ينقذ ينقذ المجتمع؟!
الكاتب والباحث بالشأن السياسي أثير الشرع ||

لم تعد الخلافات الأسرية في العراق مجرد مشاكل عابرة بين زوج وزوجة، أو بين أخ وأخيه، نحن أمام ظاهرة إجتماعية تستحق التوقف والتأمل، بعدما أصبحت أرقام الطلاق والعنف الأسري، وما يرافقهما من آثار على الأطفال، مصدر قلق حقيقي.
في عام 2025 سُجلت في العراق أكثر من 71 ألف حالة طلاق بحسب إحصاءات مجلس القضاء الأعلى، وهذه ليست مجرد أرقام في سجلات المحاكم؛ فخلف كل حالة بيت، وأطفال، وذكريات، ومستقبل أسرة كاملة.
فما الذي حدث للمجتمع العراقي؟ لا يمكن تحميل سبب واحد مسؤولية هذه الظاهرة، العراقيون عاشوا عقوداً من الحروب والحصار والعنف والإضطراب الإقتصادي، وما تتركه هذه الظروف من آثار نفسية وإجتماعية لا يختفي بمجرد إنتهاء الحرب.
ثم جاء الإنفتاح الكبير بعد عام 2003: الإنترنت، الهاتف الذكي، وسائل التواصل، وتغير أنماط الحياة والعلاقات، التكنولوجيا ليست المشكلة بحد ذاتها، لكنها أصبحت أحياناً وسيلة لعزل أفراد الأسرة عن بعضهم، وخلق مقارنات وتوقعات جديدة، وإدخال مشكلات العالم الخارجي إلى داخل البيت.
والأخطر من الطلاق هو أن يتحول الخلاف إلى كراهية، والكراهية إلى عنف، والعنف إلى جريمة.
حين يصل الأمر إلى أن يقتل أخٌ أخاه بسبب المال أو الأرض، أو يُعنف طفل داخل بيته، فإن القضية لم تعد قضية خلاف عائلي، بل أصبحت قضية مجتمع، والأطفال هم الحلقة الأضعف، فالطفل الذي يعيش بين أبوين متخاصمين، أو يشهد العنف، أو يتحول إلى أداة صراع بعد الطلاق، قد يدفع ثمن خلاف لم يصنعه.
تؤكد اليونيسف أن العنف ضد الأطفال والعنف الأسري يمثلان تحدياً مستمراً في العراق، مع حاجة واضحة إلى تقوية خدمات الحماية والدعم النفسي والإجتماعي، لذلك فإن العلاج لا يكون بالقانون وحده، ولا بالمواعظ وحدها.
نحتاج إلى ثقافة أسرية جديدة تبدأ من المدرسة، ومن الإعلام، ومن المؤسسات الدينية والإجتماعية، ومن تأهيل المقبلين على الزواج، ومن مراكز متخصصة للإرشاد والإصلاح الأسري، ونحتاج قبل الطلاق إلى محاولة جادة للإصلاح، وبعد الطلاق إلى حماية الأطفال من أن يتحولوا إلى ضحايا لصراع الكبار.
كما نحتاج إلى إعادة بناء مفهوم العائلة، ومفهوم الجيرة، ومفهوم الأخوة، ومفهوم الوطن، فالمجتمع الذي يفقد الحوار داخل البيت، يصعب عليه أن يبني حواراً داخل الدولة، والمجتمع الذي يتعلم فيه الطفل.
أن الخلاف الذي يُحسم بالعنف، سيكبر ويحمل العنف معه إلى الشارع والعمل والمجتمع.
إنقاذ الأسرة العراقية ليس شأناً عائلياً فقط، بل مشروع إنقاذ إجتماعي، فالأسرة هي أول مدرسة للمواطن، وإذا أردنا وطناً أكثر تماسكاً، فعلينا أن نبدأ من المكان الذي يتعلم فيه الإنسان أول معنى للحب والإحترام والإنتماء من البيت.
إن إستعادة التماسك تبدأ من الأسرة ثم المدرسة ثم المجتمع ثم الوطن.
الكاتب والباحث بالشأن السياسي أثير الشرع




