الخوف من الحرية..!
رياض الفرطوسي ||

يبدأ إتيان دو لا بويسي كتابه “العبودية الطوعية” بسؤال يبدو بسيطاً لكنه يهدم قروناً من التفسيرات الجاهزة: كيف يرضى الملايين بطاعة رجل واحد لا يملك عليهم سوى ما يمنحونه إياه هم أنفسهم من قوة؟ الطاغية ( كما يكتب ) لا عينين له غير العينين اللتين يعيرهما إياه رعاياه ليراقبهم بهما، ولا يداً يضرب بها إلا اليد التي يمدها له الشعب نفسه. فإذا امتنع الناس عن الطاعة يوماً واحداً، سقط الطاغية لا لأنه هُزم، بل لأنه ببساطة يتوقف عن الوجود، إذ لا وجود له خارج طاعتهم.
هذه هي الفكرة التي يجب أن نبدأ منها إذا أردنا أن نفهم كيف تُصنع الطغاة، لا كيف تُفرض: الطاغية لا يُفرض، بل يُستدعى. وهذا الاستدعاء لا يحدث دفعة واحدة، بل يُصنع ببطء شديد، عبر آلية أشد دهاءً من القمع نفسه، هي التي يسميها لا بويسي “العادة”. فالإنسان ( في رأيه ) يولد حراً بطبيعته، لكن هذه الحرية ليست معطى نهائياً بل بذرة تحتاج من يرعاها، وحين تغيب هذه الرعاية وتحل محلها تربية على الخضوع منذ الطفولة، تذبل البذرة رويداً رويداً حتى يظن صاحبها أنها لم تكن يوماً موجودة. الحرية هنا لا تُسلب بالقوة، بل تُنسى، وتحل محلها “طبيعة ثانية” هي الخضوع، حتى يصبح الخضوع أمراً مألوفاً كالتنفس، لا يشعر الإنسان بثقله لأنه لم يعرف يوماً وزن غيابه.
وهنا يكمن الفخ الأعمق: حين يتحول الخضوع إلى طبيعة، لا يعود الإنسان يرى نفسه مقهوراً، بل يرى في قاهره منقذاً. هذا ليس تناقضاً بل هو جوهر ما يشرحه لا بويسي: العبد الذي أُتقن تدريبه لا يكره سيده، بل يحبه، لأنه فقد المعيار الذي يمكنه من خلاله أن يتخيل حياة أخرى. من لم يذق الحرية لا يحن إليها، ومن لم يعرف العدالة لا يفتقدها، بل يخترع تبريرات لغيابها، ويحوّل غيابها ذاته إلى فضيلة: “الاستقرار”، “الأمان”، “الحكمة”، “الواقعية”.
انظر كيف تتكرر هذه العملية اليوم، في كل مجتمع أنهكته عقود من الاستبداد والحروب: لا يولد الطفل مؤمناً بالطاعة، لكنه يكبر وسط منظومة كاملة تلقنه إياها من كل جانب – في البيت حيث السلطة الأبوية المطلقة تُقدَّم كنموذج للحكمة، وفي المدرسة حيث يُكافأ الصمت ويُعاقب السؤال، وفي المسجد أو الكنيسة حين تُستخدم القداسة لتبرير الخضوع السياسي بدل أن تبقى شأناً روحياً، وفي الإعلام حيث تُصنع صورة “الزعيم الأب” الذي بدونه تنهار البلاد. بحلول سن الرشد، لا يعود الفرد بحاجة إلى من يُخضعه، لأنه أصبح جهازه الداخلي الخاص لإنتاج الطاعة. هذا بالضبط ما يقصده لا بويسي حين يقول إن العادة “تصنع منا عبيداً وتجعلنا نجهل أننا كنا يوماً أحراراً”.
والأخطر أن هذا الإنسان، الذي فقد الذاكرة الحية للحرية، لا يكتفي بالخضوع، بل يشارك بحماس في إعادة إنتاج النظام الذي يقهره. فهو يدافع عن الحاكم أمام من ينتقده، ويرى في كل محاولة تغيير تهديداً لوجوده الشخصي لا لسلطة القاهر، ويحيط الزعيم بهالة من القداسة يمنحها له طواعية، لا خوفاً بل حباً – أو ما يظنه حباً بينما هو في الحقيقة انعكاس لصورته هو عن ذاته المُروَّضة. يصف لا بويسي هذه الحلقة بدقة: الطاغية لا يحتاج جيشاً من الحراس بقدر ما يحتاج حلقة صغيرة من المقربين يستفيدون من قربه، وهؤلاء بدورهم يصنعون حلقة أوسع تستفيد منهم، وهكذا تتوالد شبكة كاملة من المصالح المتدرجة، كل حلقة فيها تخدم من فوقها طمعاً بالبقاء قريبة من مائدة السلطة، حتى يجد المجتمع بأكمله نفسه، دون أن يشعر أفراده فرداً فرداً، قد شارك في بناء الصرح الذي يسحقه.
هنا يصبح السؤال الحقيقي ليس “لماذا يحكمنا الطغاة؟” بل “لماذا نصنعهم نحن؟”. والجواب، وفق منطق لا بويسي، ليس مؤامرة خارجية ولا قدراً محتوماً، بل نتاج تراكم صغير من الاختيارات اليومية: كل مرة نُسكت فيها سؤالاً خشية المشكلة، كل مرة نبرر فيها فساداً بحجة “لا بديل”، كل مرة نصفق فيها لزعيم لمجرد أنه ينتمي إلى طائفتنا أو حزبنا أو عشيرتنا لا لأنه يستحق، كل مرة نختار فيها الصمت المريح على السؤال المزعج – في كل هذه اللحظات الصغيرة، نُسلّم قطعة من حريتنا لمن سيستخدمها ضدنا لاحقاً. الطاغية لا يُبنى بقرار واحد كبير، بل بملايين الاستسلامات الصغيرة التي لا يشعر أصحابها أنهم يفعلون شيئاً خطيراً.
لكن لا بويسي، رغم قسوة تشخيصه، لا يترك الباب موصداً. فإذا كانت الطاعة عادة مكتسبة، فهذا يعني أنها قابلة للفك كما كانت قابلة للتركيب. الحرية، في رأيه، لا تحتاج جيوشاً لاستعادتها، بل تحتاج فقط أن يكف الناس عن تقديم أكتافهم ليقف عليها الطاغية. اللحظة التي يقرر فيها عدد كافٍ من الناس ألا يخافوا – لا أن يقاتلوا بالضرورة، بل فقط ألا يخضعوا بعد الآن – هي اللحظة التي ينهار فيها صرح كامل من الوهم، لأن الطاغية، كما قلنا، لا قوة له خارج طاعة من يحكمهم.
المفارقة المؤلمة أن أصعب معركة ليست ضد الحاكم، بل ضد الخوف من الحرية نفسها؛ لأن الحرية تعني مسؤولية، وتعني عدم وجود أب يحمي ويعاقب ويقرر، وتعني مواجهة الفوضى المؤقتة التي تسبق أي نظام عادل جديد. كثيرون يفضلون قيداً مألوفاً على مجهول محرر، لأن القيد – مهما كان قاسياً – يوفر إحساساً زائفاً بالأمان، بينما الحرية تفتح باباً لا يُعرف ما خلفه. وهذا بالضبط ما يجعل بعض الشعوب، بعد أن تسقط طاغية، تسرع إلى البحث عن طاغية جديد يشبهه، لا لأنها أُجبرت، بل لأنها لم تتعلم بعد كيف تعيش بلا قائد يحمل عنها عبء القرار.
فهم هذه الآلية هو نقطة البداية الوحيدة لأي تغيير حقيقي. فالطغيان الذي يُصنع من الداخل، بالتربية والعادة والخوف من الحرية، لا يُهزم بتغيير الأشخاص في القمة فقط، بل بإعادة بناء الإنسان من الداخل: إنسان يتعلم من جديد أن الحرية ليست فوضى بل مسؤولية، وأن الأمان الحقيقي لا يأتي من قائد يحمي، بل من عدالة تحمي الجميع بالتساوي. وحتى يحدث ذلك، سيظل السؤال الذي طرحه لا بويسي قبل خمسة قرون معلقاً فوق رؤوسنا: لماذا نخاف الحرية أكثر مما نخاف من يسلبها منا؟




