طوفان غزة يقلب المعادلة.. رؤية عراقية في تحولات الصراع والوعي “الصهيونية التي لا نعرفها” الحلقة الثانية..!
رياض الفرطوسي ||

لم تكن الصهيونية وليدة لحظة واحدة، بل هي مسار من التحولات الأيديولوجية المعقدة. بدأت محاولات التحديث مع الحركة الفكرية المعروفة بـ “الهسكلاه” (الأنوار اليهودية) التي قادها موشي مندلسون في القرن الثامن عشر بهدف دمج اليهود في المجتمعات الأوروبية. غير أن فشل مسار الاندماج وتصاعد المذابح في أوروبا الشرقية دفعا باتجاهين متقابلين: صهيونية سياسية علمانية بزعامة ثيودور هرتزل، وتيار آخر استمد مقوماته من الروحانية الحسيدية وأعاد صياغتها في قالب قومي عبر حركة “المزراحي” عام 1902 التي حاولت التوفيق البراغماتي بين المظاهر الدينية والعمل القومي.
التحول اللاهوتي الأبرز في هذا المسار تمثل في أفكار الحاخام أبراهام إسحاق هكوهين كوك (1865–1935)، الذي قدم منظومة “الخلاص التدريجي” (أتخالتا دجئولاه). اعتبر “كوك” أن الصهاينة العلمانيين، رغم إلحادهم وظاهرهم غير الديني، هم “أدوات إلهية غير واعية” لإعادة بناء الجسد اليهودي تمهيداً لبعث الروح، ناقلاً قدسية الدين من التكليف الفردي إلى قدسية الأرض والمملكة.
وعقب حرب 1967، حول نجله الحاخام زفي يهودا كوك هذه الفلسفة إلى استراتيجية استيطانية ميدانية من خلال مدرسة “مركاز هراف” بالقدس. ومن رحم هذه الأفكار ولدت حركة “غوش إيمونيم” (كتلة المؤمنين) عام 1974، والتي قادت الاستيطان في الضفة الغربية وغزة كواجب ديني وأخلاقي يعلو فوق قرارات الدولة والشرعية الدولية.
يتكامل هذا البناء الأيديولوجي مع “الصهيونية المسيحية” (الإنجيلية) في الغرب، والتي ترى في تجمع اليهود في فلسطين شرطاً لاهوتياً لعودة المسيح، وهو ما شكّل سنداً سياسياً للحركة الصهيونية منذ “وعد بلفور” عام 1917 وحتى الإدارات الأمريكية المعاصرة.
تكمن أهمية هذه القراءة بالنسبة للعراق والعالم العربي في دراسة الخطاب السياسي الحالي لتل أبيب؛ إذ إن الاستشهادات بالنصوص التوراتية (مثل الإشارة إلى “عماليق” أو “نبوءة إشعيا”) ليست مجرد بلاغة سياسية، بل تعكس البنية الفكرية للأحزاب الدينية الحاكمة التي تشكل عصب القرار السياسي والأمني اليوم.
في الحلقة القادمة: “الحرب القادمة في الضفة” – لماذا تُعد الضفة الغربية المسرح العقائدي الأول للصهيونية الدينية؟ ومن هم الحاخامات والأفكار اللاهوتية كـ “الشخينا” و”الهيكل” التي تحرك السياسات الاستيطانية الميدانية اليوم؟




