الثلاثاء - 22 سبتمبر 2026
منذ ساعتين
الثلاثاء - 22 سبتمبر 2026

عباس زينل ||

 

كنتُ أودّ الإعراض عن الحديث حول مجريات هذا اللقاء، لولا ما رأيته من سلوك أتباع الكهنة؛ إذ غضّوا الطرف تماماً عن رحيل المرجع الديني الكبير، آية الله العظمى السيد موسى شبيري الزنجاني (قدّس سرّه)، بينما سارعوا بكل قوة إلى استنفار التبريرات والدفاع المستميت عمّا ورد في اللقاء. وأمام هذا الواقع، وجدتُ نفسي مُضطراً لتوجيه هذه الأسئلة والوقفات إلى هؤلاء الأتباع:
1. علم الإمام الحسين (ع) بمساره ومصيره
أشار الشيخ إلى أننا “لسنا حسينيي المذهب بل أثنا عشريون”، وادّعى أن الإمام الحسين (عليه السلام) إنما لجأ إلى المواجهة بعدما سدّ الأعداءُ جميع السبل أمامه!
وفي هذا تجاوزٌ صارخ على مقام الإمامة؛ إذ كيف يُصوَّر الإمام المعصوم كمن لا يعلم مصيره إلا بعد إغلاق الأبواب بوجهه؟ إنّ ثبوت علم الإمام بمصرعه ومصير أهله في كربلاء يُعدّ من أركان الرؤية الشيعية للإمامة، وتؤكده أدلة قطعية متعددة وموجودة لمن يبحث.
الغاية المستترة من هذا الطرح:
إن المحاولة الضمنية هنا هي اتهام مدرسة “ولاية الفقيه” باختزال المواجهة مع قوى الكفر بالمنهج الحسيني الداعي للحروب فقط، وافتراض أنها لا تعرف من الحسين إلا هذا النهج! وهذا تزييفٌ للواقع؛ إذ إن التاريخ والحاضر يثبتان أن كافة الحروب التي خاضتها وتخوضها الجمهورية الإسلامية في إيران هي حروب دفاع مشروع عن النفس والأمة، وليست حروب اعتداء أو تدخل.
2. التناقض الصارخ في مشروعية الفتوى بالجـ،،ـهاد
استشهد الشيخ بقول الزيدية: “لا خلاف بيننا وبين جعفر الصادق (ع) إلا أنه لا يرى الجهاد”، ليُخلص إلى أن الجـ،،ـهاد مختص بالإمام المعصوم حصراً، محاولاً بسلب مشروعية الإفتاء بالجـ،،ـهاد عن ولي الفقيه.
لكنه يناقض نفسه بعد دقائق معدودة بشرعنته لفتوى “الجـ،،ـهاد الكفائي” الصادرة عن الإمام السيستاني! فكيف يُصبح الإفتاء بالجـ،،ـهاد سائغاً لمرجع ديني بينما يُسلب عن ولي الفقيه تحت ذريعة عدم المعصومية؟
فضلاً عن ذلك، يتغافل هذا الطرح عن تاريخ المرجعية الشيعية الحافل بالفتاوى الجـ،،ـهادية عبر القرون:
* حركة الجـ،،ـهاد ضد الغزو البريطاني للعراق (1914–1915م): قيادة السيد محمد كاظم اليزدي والشيخ مهدي الخالصي.
* ثورة العشرين في العراق (1920م): فتوى الشيخ محمد تقي الشيرازي.
* ثورة التبغ في إيران (1891–1892م): فتوى السيد الميرزا الشيرازي التي كسرت شوكة الاستعمار.
* المقـ،،ـاومة ضد الغزو الروسي لإيران (1804–1828م): الفتوى الشهيرة للشيخ جعفر كاشف الغطاء.
* ثورة الدستور (1905–1911م): بقيادة الشيخ الآخوند الخراساني والميرزا حسين تهراني.
* المـ،،ـقاومة اللبنانية ضد الاحتلال الإسرائيلي (1982–2000م): بتأصيل وتأسيس السيد موسى الصدر والسيد عباس الموسوي.
3. القراءة القاصرة لطبيعة الصراع والتوازنات الدولية
استشهد الشيخ بحديث الإمام الصادق (ع): “وددت لو أن لي قصراً بالطائف فأسكنه وأسكنكم معي، وأنا أضمن لهذا الطـ،،ـاغية أن لا يأتيه من ناحيتنا مكروه أبدًا”. أراد الشيخ بهذا الاستشهاد تسويغ فكرة اعتزال الشيعة وتصوير أن المطلوب هو الانكفاء داخل الحدود، وتطوير الذات علمياً دون معارضة الطـ،،ـغاة!
وهذا يعكس سطحيّة بالغة في فهم جغرافية الصراع؛ إذ يفترض الشيخ أن القوى المستكبرة ستترك المجتمعات الشيعية تبني وتتقدم في هدوء حتى تصبح قوة عظمى، وكأننا في مواجهة أفراد في حارة ضيقة، وليس أمام دول استعمارية ذات مشاريع توسعية واقتصادية وعقائدية (كالمفهوم الصـ،،ـهيوني) لا ترضى بأقل من السيطرة والتدمير المسبق لأي مشروع نهضوي!
4. اضطراب مفهوم “التمهيد” وتجاهل النموذج الناجح
ادّعى الشيخ أن “الغيبة حدثت بعد كربلاء”، وأن الأئمة (ع) كبحوا جماح شيعتهم منعاً لإبادتهم، مخلصاً إلى أن أي مشروع إسلامي يُقام الآن تحت عنوان “التمهيد” هو مشروع شخصي لا علاقة له بالإمام المهدي (عج)!
وقع الشيخ هنا في تناقضٍ مزدوج:
* دعا الشيعة سابقاً إلى تحصين أنفسهم والتقدم العلمي والاستعداد للمواجهة (وهو عين التمهيد وعماده)، ثم عاد ليعتبر مشروع ولاية الفقيه مجرد “مشروع شخصي”!
* يغفُل الطرح عن حقيقة أنه لا يوجد في العالم المعاصر نمذجة لدولة شيعية بلغت من القوة والاستقلال والتطور العلمي والتقني ما بلغتْه الجمهورية الإسلامية. فما الذي ينتظره الشيخ وأمثاله لتأسيس نموذج يضاهي هذا النجاح بدلاً من التنظير السلبي؟
5. ازدواجية المعايير بين “تقريب المذاهب” و”المهادنة السياسية”
تجمَّم الشيخ على فكرة “تقريب المذاهب” التي تتبناها ولاية الفقيه، واصفاً إياها بالخطأ المستلزم للتنازل عن بعض الاعتقادات!
لكنه يناقض هذا الموقف تماماً حين يُشيد بما قام به المحقق الخواجة نصير الدين الطوسي من التعامل والحكمة مع “هولاكو” لحفظ دماء الشيعة وتراثهم! فكيف يُصنف التعامل مع حكام مغول سفاحين كحكمة وذكاء، بينما يُصنف التقارب بين المسلمين وتوحيد صفوف الأمة ضد الأخطار المحدقة كـ”تفريط بالعقيدة”؟
6. قلب الحقائق في مفهوم “التدخل” ونصرة المظلوم
استند الشيخ إلى بعض أفكار الشيخ محمد مهدي شمس الدين ليُوجه اتهاماً ضمنياً لولاية الفقيه بالتدخل في شؤون الدول الأخرى تحت شعار نصرة المظلومين.
وهذا قلبٌ صريح للحقائق التاريخية والواقعية:
* المــ،،ـقاومة في لبنان وجدت قبل قيام الجمهورية الإسلامية في إيران لمواجهة الاحـ،،ـتلال الإسرائيلي.
* المــ،،ـقاومة في العراق ضد المستعمر ممتدة منذ ثورة العشرين (1920م).
* إن لجوء هذه الحركات الوطنية والمــ،،ـقاومة إلى إيران لطلب الدعم والمساندة في وجه احـ،،ـتلال مباشر لا يُعد بحال من الأحوال “تدخلاً إيرانياً”، بل هو واجب إسلامي ونصرة مشروعة لحركات تحرر أصيلة.
في الختام
لقد احتوى اللقاء على كمّ هائل من المغالطات والتناقضات العقائدية والفكرية؛ حيث حاول الشيخ تمرير قراءته الشخصية على حساب المفهوم القرآني والإمامي، فتجاهل عشرات الآيات الآمرة بالجـ،،ـهاد والإعداد العسكري (وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ)، واختزل الانتظار والتمهيد في البعد العلمي الفردي، وكأن إيران متأخرة عن العالم، متغافلاً عن تصدر جامعاتها وعلمائها للمحافل العلمية العالمية.
بدأ الشيخ حديثه بعبارات التواضع، مُدعياً أن “ما خرج من القلب يصل إلى القلب” وأنه لا يدعي الحقيقة المطلقة، ولكنه سرعان ما جرد كل من يخالفه الفكر من أصالة الانتماء للمذهب، متلابساً بذات الدور الذي يتهم به خصومه من حصر الحقيقة والجاهزية في ذواتهم فقط.