واحد تهديد واحد ابتزاز..!
مجيد الكفائي ||

مع كل حكومة جديدة لا يتغير الوزراء والمسؤولون وحدهم أحيانًا تظهر حولهم طبقة جديدة من المنتفعين ممن يعتقدون أن القرب من صاحب المنصب يمكن أن يتحول إلى نفوذ وأن النفوذ يمكن أن يتحول إلى مال وأن المال يمكن أن يُنتزع من المواطن بالخوف .
طبقة من الحفاة والصعاليك والجائعين إلى السلطة تبدأ بالظهور في المشهد .
بعضهم قريب لفلان وبعضهم من حمايته وبعضهم من معارفه وآخرون لا يملكون سوى ادعاء القرب من سيادته .
والمشكلة ليست في القرابة أو المعرفة بحد ذاتها وإنما في أن تتحول هذه العلاقة إلى بطاقة عبور فوق القانون .
عندها تبدأ الحكاية :
واحد تهديد وواحد ابتزاز
مواطن يتلقى اتصالًا من رقم مجهول وآخر تصله رسالة تحمل تهديدًا مبطنًا وثالث يُطلب منه دفع مبلغ بدلا من ان “يسحك رأسه”
ورابع يُذكَّر بأن وراء الشخص الذي الذي يتصل به جهة كبيرة .
لا يحتاج المبتز إلى أن يقول كثيرًا .
يكفي أحيانًا أن يذكر اسم مسؤول أو يلمّح إلى جهة أمنية حتى يفهم المواطن الرسالة ” ادفع واسكت “.
وهنا تكمن المشكلة الحقيقية.
فالابتزاز جريمة عندما يرتكبها فرد لكنه يصبح أكثر خطورة عندما يستمد صاحبه شجاعته من شعوره بأنه محمي أو قادر على الإفلات من العقاب .
والأسوأ من ذلك أن يشعر المواطن بأن تقديم الشكوى قد يجعله هدفًا جديدًا فيختار الصمت حفاظًا على نفسه وأسرته .
وهكذا ينقلب ميزان العدالة بطريقة عجيبة:
المواطن يخاف من أن يشتكي والمبتز لا يخاف من أن يُشتكى عليه.
المعروف في كل الدول القانونية ان الدولة لا تقيس حقوق المواطن بمقدار نفوذه ولا تسأل الضحية عن اسم الشخص الذي هدده بل تسأل عن الجريمة نفسها وتبحث عن مرتكبها ومن يقف خلفه ومن سهّل له الوصول إلى ضحيته.
والسؤال الأهم : كيف يعرف المبتز أصلًا معلومات المواطن؟
من أين حصل على رقم هاتفه أو عنوانه أو تفاصيل معاملته أو اسماء اولاده وبناته ؟ !
هل استغل موظفًا أو موقعًا وظيفيا؟
هل استخدمت بيانات حكومية لأغراض شخصية؟
وهل هناك من يفتح له الطريق ثم يغلقه في وجه الضحية؟
هذه الأسئلة أهم من القبض على مبتز صغير وترك من يقف خلفه .
فإذا كان كل تغيير حكومي ينتج مجموعة جديدة من الذين يتعاملون مع الدولة باعتبارها غنيمة ومع المواطن باعتباره فريسة فإن المشكلة ليست في الأشخاص وحدهم بل في النظام الذي يسمح لهم بالنمو .
المسؤول الذي يحترم موقعه يجب أن يكون أول من يرفض استخدام اسمه من قبل آخرين وأول من يحاسب من يستغل قربه منه لاغراض شخصية غير قانونية .
والحماية الأمنية التي وظيفتها حماية المسؤول لا ينبغي أن تتحول بأي شكل إلى وسيلة لحماية المتجاوزين أو ترهيب المواطنين .
أما المواطن فلا ينبغي أن يحتاج إلى واسطة كي يحصل على حقه ولا إلى مسؤول يحميه من شخص يهدده باسم مسؤول آخر .
الدولة القوية ليست التي يخاف منها المواطن وإنما التي يخاف فيها المجرم من القانون .
لذلك فإن المعركة الحقيقية ليست مع واحد تهديد أو واحد ابتزاز فقط بل مع ثقافة كاملة تجعل البعض يعتقد أن السلطة ملكية خاصة وأن القرب من المسؤول حصانة وأن المواطن الحلقة الأضعف التي يمكن الضغط عليها متى شاءوا .
وإذا كانت كل حكومة جديدة ستأتي معها حكومة أخرى من المنتفعين في الظل فمتى تأتي حكومة تجعل القانون هو صاحب النفوذ الوحيد؟
المواطن ينتظر دولة تقول له أخيرًا :
لا تخف القانون معك .




