الجمعة - 18 سبتمبر 2026
منذ 20 ثانية
الجمعة - 18 سبتمبر 2026

الكاتب والباحث بالشأن السياسي أثير الشرع

 

 

لم تعد المشكلة في كثرة القنوات الفضائية، ولا في كثرة البرامج السياسية، ولا حتى في تعدد الآراء، المشكلة الحقيقية تبدأ عندما يتحول الإعلام من مساحة للنقاش إلى ساحة لتوزيع الأدوار، فيصبح لكل جهة محللها، ولكل حزب مدافعوه، ولكل شخصية سياسية من يتولى تلميع صورتها والدفاع عنها مهما كانت الوقائع.

خلال الفترة الماضية، جرى تداول وثائق قيل إنها تكشف وجود مبالغ أو رواتب يتلقاها بعض العاملين في المجال التحليلي والإعلامي من جهات خارجية، وإذا ثبتت صحة هذه الوثائق من خلال تحقيق مهني مستقل، فنحن أمام قضية لا تتعلق بشخص أو شخصين، بل أمام سؤال يمس إستقلال الإعلام العراقي نفسه.

هل أصبح بعض المحللين يعملون وفق قناعة سياسية؟ أم وفق عقد غير معلن؟ وهل المواطن الذي يشاهد محللاً سياسياً على شاشة التلفزيون يعرف فعلاً لمن يتحدث هذا المحلل؟ وهل من حق المشاهد أن يعرف إذا كان ضيف البرنامج مرتبطاً مالياً أو سياسياً بالجهة التي يدافع عنها؟

المشكلة ليست في أن يكون للإنسان موقف سياسي، فهذا حق طبيعي، والمشكلة ليست في أن يؤيد محلل سياسي حزباً أو تياراً أو دولة أو مشروعا سياسيا، المشكلة تبدأ عندما تتحول القناعة إلى وظيفة، والرأي إلى بضاعة، والتحليل إلى دفاع مدفوع الثمن.

والأخطر من ذلك أن بعض القنوات التي يفترض أنها مستقلة أو وطنية أصبحت، في بعض برامجها، تبحث عن “الطشة” الإعلامية: ضيف يصرخ، وآخر يشتم، وثالث يدافع، ورابع يهاجم، ثم يقدم لنا البرنامج بإعتباره “إتجاهاً معاكساً”؛ لكن هل الصراخ دليل مهنية؟ وهل الشتيمة تحليل سياسي؟وهل نجاح الحلقة في رفع نسب المشاهدة يعني نجاح الإعلام؟

الإعلام المهني ياسادة ياكرام لا يحتاج إلى معركة مفتعلة كي ينجح، كما يرى مقدم البرنامج الإعلام المهني يحتاج إلى معلومة، وإلى سؤال، وإلى رأي مستقل، وإلى ضيف يستطيع أن يقول “لا” حتى للجهة التي يؤيدها.

في المقابل، هناك محللون وكتاب وإعلاميون ما زالوا يحاولون تقديم الرأي كما هو، بعيداً عن المناورة والدفاع المسبق، وهؤلاء هم الذين يجب أن يجدوا مكاناً حقيقياً في المشهد الإعلامي العراقي.

العراق لا يحتاج إلى مزيد من القنوات المؤدلجة، بل يحتاج إلى إعلام مهني، ولا يحتاج إلى إعلاميين يخافون من السياسي، بل إلى إعلام يسأل السياسي: ماذا فعلت؟ أين أخفقت؟ وأين نجحت؟ ومن أين جاءت هذه الأموال؟ ومن يتحمل مسؤولية هذا القرار؟

وهنا تأتي مسؤولية الدولة، وخصوصاً المؤسسات المعنية بالثقافة والإعلام، وزارة الثقافة ليست حقيبة لتوزيعها وفق المحاصصة، والإعلام الرسمي وشبكة الإعلام العراقي لا ينبغي أن يتحولا إلى أدوات نفوذ سياسي.

نحتاج إلى شخصيات مهنية تعرف معنى الإعلام والثقافة، وتؤمن بأن وظيفة الإعلام ليست حماية المسؤول من النقد، وإنما حماية حق المواطن في المعرفة.

لقد دفع العراق ثمناً باهظاً بسبب تسييس مؤسسات الدولة، وليس من المنطقي أن يبقى الإعلام أسيراً للمنطق نفسه.

نحن بحاجة إلى إصلاح حقيقي في الإعلام، يبدأ من إستقلالية المؤسسات، وشفافية التمويل، ووضوح العلاقة بين القناة والجهة السياسية، والإفصاح عن المصالح المالية للضيوف عندما تكون مؤثرة في موضوع النقاش.

فالذي يتقاضى أجراً للدفاع عن جهة سياسية من حقه أن يدافع، لكن من حق المشاهد أيضاً أن يعرف، والذي يعمل لمصلحة دولة أو سفارة أو جهة خارجية، إن ثبت ذلك، فعليه أن يتحمل مسؤوليته المهنية والقانونية، بدل أن يظهر أمام الناس بإعتباره “محللاً مستقلاً”.

المشكلة ليست في وجود رأيين مختلفين متناقضين؛ المشكلة عندما يكون كلا الرأيين مدفوعي الثمن.

عندها لا يعود المواطن أمام إعلام، وإنما أمام سوق للمواقف.

والسؤال الذي يجب أن يطرح اليوم ليس: من مع إيران؟ ومن مع السعودية؟ ومن مع هذا الحزب أو ذاك؟ السؤال الأهم: من مع العراق؟ ومن يستطيع أن يجلس أمام الكاميرا، من دون راتب سياسي أو خارجي، ويقول ما يعتقده فعلًا؟ هنا يبدأ الإعلام الوطني الحقيقي.

 

الكاتب والباحث بالشأن السياسي أثير الشرع