باذنجانية التسعينيات..!
د. أمل الأسدي

هناك، في تسعينياتِ القرنِ الماضي، كان الباذنجانُ رفيقَ البيوتِ المخلصَ، الحاضرَ الدائمَ، فهو السيفُ المشرعُ بيدِ الأمهاتِ اللاتي لم يرتحنَ يوماً، ومنذُ الليلِ تفكرُ الأمُّ بطعامِ اليومِ الثاني: ماذا ستطعمُ العائلةَ؟
فيجيبُها الباذنجانُ بـ نعم: “شوي، گلي، مرگ، ثرم، حميسة، يابس… إلخ”.
فهو “وحش الطاوة” الحنونُ على العراقيينَ في أيامِ جوعِهم ومرضِهم، بينما كانت الطبقةُ الحاكمةُ تتنعمُ بأموالِ العراقِ وتعيشُ الـ”بغددة”
ومن تلك الحقبةِ المظلمةِ بقيت الذاكرةُ تحتفظُ بنصوصٍ كثيرةٍ، منها:
شكَد حاول العدوان يفرض حصــاره
مايدري (وحش الليل) سوّالـه چاره
بالدهن من غطّيـتْ نشّفته كلـــه
وسعر الدهن يا نــاس ربّالي عـلّـه
لو تحجي بيها الناس المعدة گالت
جيبــولي بيتنجان الفرگه طالـــت
يا لدزك الرحمن للناس رحــــــمه
أتخيّلك كل يوم بالـــطاوه لحمه!
يروح السمچ والبيض واللحم فدوه
لعينك.. يبو المرگات يااحلى غــدوه
أسود سواد الليل، والزلـف أخضر
جسمك جلد روغـــان والريحة عنــبر
أسود بعين الناس وبـــــعيني ذهبي
واحد من اهل البيت حسّـبتك ابــني
والعجيبُ أن الجوعَ قد أثّرَ على الحيواناتِ أيضاً، وغيّرَ طباعَها؛ فالقططُ المدللةُ التي تحملُها البناتُ اليومَ ويغرقنَها بالحبِّ والإنفاقِ، صرنَ “حرامي محترف” أيامَ الحصار؛ فقد تستيقظُ صباحاً فتجدُ القطةَ قد عملت المستحيلَ، ودخلت إلى المطبخِ، وفتحت الثلاجةَ، وسرقت قرصَ الجبنِ وأكلته لتبقى أنتَ تتحسرُ على “الريوگ” الذي طار!!
وتحقدُ على القططِ، إذ تشكُّ بكلِّ قطةٍ تراها قربَ بابِك!
وأحياناً تسمعُ صوتَ والدِك يقولُ: “طردها طردها حتى لاتتعلم”، فتركضُ وراءَها متحمساً، وكأنها لصٌّ ينوي سرقتَك!
الآنَ، من يحنُّ إلى زمن صدام “الجميل”؟
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــ




