الاثنين - 26 اكتوبر 2026
الاثنين - 26 اكتوبر 2026

ضياء ابو معارج الدراجي ||

 

 

 

لسنوات، بُني رهان خصوم أنصار الله على أن الدعم السعودي والإماراتي والدولي، بما وفره من تمويل وتسليح وطيران ومدرعات، سيؤدي في النهاية إلى إسقاط أنصار الله وإعادة تشكيل اليمن سياسياً وعسكرياً. لكن مسار الحرب جاء بعكس ذلك؛ فبدلاً من الانهيار، راكم أنصار الله خبرة ميدانية ونفوذاً سياسياً، بينما اتسعت التناقضات داخل المعسكر المقابل. واليوم تأتي تطورات باب المندب لتكشف حجم هذا التحول: فقد انسحبت القوات المدعومة خارجياً من مواقع مهمة، ووصل أنصار الله إلى جزيرة ميون والمناطق المطلة على المضيق، وسط معلومات ميدانية عن ترك كميات كبيرة من المعدات، بينها نحو 300 مدرعة، وهو ما يكشف أن المشكلة لم تكن في نقص السلاح بقدر ما كانت في القدرة على تحويل التفوق المادي إلى قوة قادرة على الاحتفاظ بالأرض.

وتتجاوز أهمية هذا التطور حدود الخسارة العسكرية، لأن باب المندب أحد أهم الممرات البحرية التي تربط البحر الأحمر بخليج عدن، وبالتالي فإن الحضور العسكري لأنصار الله في محيطه يمنحهم ورقة استراتيجية ذات أبعاد إقليمية ودولية. فالطرف الذي كان يُراد عزله وإضعافه أصبح قادراً على التأثير في منطقة ترتبط بالتجارة والطاقة والملاحة العالمية، بينما يجد خصومه أنفسهم أمام واقع لم يكن ضمن حساباتهم الأولى.

ولا يمكن فصل ذلك عن أزمة المعسكر المناوئ لأنصار الله؛ فطارق عفاش والإصلاح وبقية المكونات المحلية، إلى جانب القوى الإقليمية الداعمة لها، لا تتحرك دائماً وفق مشروع واحد، ولكل طرف حساباته في النفوذ ومستقبل السلطة. وقد أثبتت تجربة 2014 ضعف هذه الانقسامات، عندما انشغلوا بإضعاف بعضهم بعضاً قبل أن يجدوا أنفسهم أمام موازين قوى جديدة. ويبدو أن المشكلة نفسها ما زالت حاضرة اليوم: جبهة متعددة المصالح والولاءات تواجه خصماً أكثر تماسكاً في إدارة قراره السياسي والعسكري.

ولهذا فإن محاولة تفسير هذه الهزيمة بالخيانة أو التخاذل أو نقص الدعم لا تجيب عن السؤال الأساسي: لماذا لم يتحول التفوق العسكري والتمويل الخارجي إلى حسم؟ فالميدان لا يقيس القوة بعدد المدرعات والطائرات، وإنما بمن يستطيع الحفاظ على مواقعه واستثمار أخطاء خصمه وتحويل الصمود إلى نفوذ. ومن هذه الزاوية، فإن تقدم أنصار الله في باب المندب يمثل نتيجة تراكمية لسنوات من الصراع، وليس مجرد حادث عسكري منفصل.

لقد سقط رهان الخصوم ان أنصار الله قوة مؤقتة يمكن إنهاء حضورها بالضغط العسكري، وتحولوا إلى طرف يصعب تجاوزه في أي ترتيبات سياسية أو أمنية مقبلة. وكلما استمرت الانقسامات داخل المعسكر المقابل، ازدادت قدرتهم على تثبيت هذا الواقع.

أنصار الله لم يعودوا يخوضون معركة البقاء فقط؛ بل أصبحوا طرفاً قادراً على التأثير في الجغرافيا الاستراتيجية لليمن والمنطقة، وباب المندب هو أحدث دليل على أن مشروع إقصائهم انتهى إلى تعزيز موقعهم بدلاً من إنهائه.

ضياء ابو معارج الدراجي