الأربعاء - 28 اكتوبر 2026

أنكوندا 2 و إيران: عندما تحاول واشنطن خنق دولة اعتادت التنفس تحت العقوبات..!

الأربعاء - 28 اكتوبر 2026

حسن عبد الهادي زاير العڰيلي
كاتب وباحث في الشأن السياسي

 

 

 

«أنكوندا 2» اسم غير رسمي لاستراتيجية أميركية جديدة تجاه إيران فكرتها لا تقوم على إسقاط الخصم بضربة واحدة بل على تضييق الخناق تدريجياً حتى يصبح مضطراً إلى التنازل. تعتمد الاستراتيجية على تقليص صادرات النفط وملاحقة الوسطاء الماليين واستهداف «أسطول الظل» والضغط على البنوك والدول المتعاملة مع طهران.
لكن إيران ليست دولة دخلت العقوبات أمس فبنيتها الاقتصادية والسياسية والأمنية تشكلت أصلاً في ظل افتراض استمرارها. والخطأ المحتمل في هذه الاستراتيجية هو الظن أن الألم الاقتصادي يقود بالضرورة إلى الانهيار السياسي. فقد يرفع الضغط التضخم ويضعف العملة دون أن يدفع القيادة الإيرانية إلى القبول بالشروط الأميركية كما تؤكد التطورات الأخيرة.
ستواجه طهران هذا الخناق بإعادة بناء اقتصاد الصمود عبر تقليل الاعتماد على الدولار وتوسيع التجارة مع الصين وتركيا والعراق والإمارات. وستعمل على تنويع مواردها بعيداً عن النفط عبر الصناعة والتعدين والصادرات غير النفطية. كما ستعمّق علاقاتها مع الشرق باعتبار الصين وروسيا ودول الجوار منافذ تقلل قدرة واشنطن على فرض العزلة الكاملة. وستستخدم موقعها الجغرافي عند مضيق هرمز لجعل كلفة الخنق عالمية لا إيرانية وحدها وهو ما يفسر ارتفاع أسعار النفط مع تصاعد المخاوف الأمنية في المنطقة. ولن تغفل الدبلوماسية أداة لتفكيك الجبهة الأميركية من الخارج فهدفها ليس إنهاء العقوبات دفعة واحدة بل منع تشكل إجماع دولي كامل حولها.
غير أن قدرة إيران على المناورة لا تعني حصانتها فالضغط يستنزف اقتصادها ويثقل حياة مواطنيها ويضعف قدرة الحكومة على الإنفاق كما أظهرت التطورات الأخيرة ومنها استهداف واشنطن في 4 أيلول 2026 بنكاً تركياً وكيانات مرتبطة به. فأنكوندا 2 ليست وهماً كما أن نجاحها ليس مضموناً بل هي معركة استنزاف.
وربما لا تجهل واشنطن قوة إيران بقدر ما تبالغ في تقدير قدرة الضغط الاقتصادي على تحويلها إلى استسلام سياسي. فكلما اتسعت رقعة العقوبات اتسعت الحاجة إلى مراقبة العالم كله بنكاً وشركة وناقلة ووسيطاً وهو ما يجعل سياسة الخنق مكلفة ومستمرة.
أنكوندا 2 قد تنجح في إيلام إيران لكنها ليست بالضرورة قادرة على إخضاعها والفرق بينهما كبير. فالمعركة المقبلة ليست أميركا تخنق وإيران تختنق بل من يستطيع أن يجعل كلفة الخناق أعلى من قدرة الطرف الآخر على تحمله. والسؤال الحقيقي ليس هل تستطيع أميركا خنق إيران بل هل تستطيع خنقها من دون أن تخنق معها مصالح حلفائها وأسواق الطاقة وحركة التجارة العالمية. وهنا تحديداً تكمن نقطة ضعف أنكوندا 2 لأن الثعبان الذي يلتف حول خصمه قد يكتشف أن حلقته أصبحت عبئاً على حركته هو أيضاً.