الأربعاء - 28 اكتوبر 2026

من نشيد التحرر إلى نشيد الدولة.. هل آن أوان التغيير؟!

الأربعاء - 28 اكتوبر 2026

 حسن عبد الهادي زاير العگيلي ||

 

 

 

النشيد الوطني ليس مجرد كلمات ولحن؛ إنه أحد رموز الدولة، وصوتها الذي يتردد في المناسبات الوطنية، ولذلك ينبغي أن يعبر عن هويتها وحاضرها وتطلعات شعبها.

ومن هنا يأتي السؤال: هل ما زال «موطني» مناسبًا ليكون النشيد الوطني للعراق اليوم؟

«موطني» قصيدة للشاعر الفلسطيني إبراهيم طوقان، ولدت في سياق تاريخي كانت فيه قضية التحرر من الاستعمار والاستقلال حاضرة بقوة. ولذلك نجد فيها عبارات مثل:

««هل أراك سالمًا منعّمًا وغانمًا مكرّمًا؟»»

ثم يقول:

««الشباب لن يكلّ همّه أن تستقل أو يبيد»»

وهنا يحق لنا أن نسأل: يستقل العراق من مَن اليوم؟

العراق اليوم دولة مستقلة، ذات سيادة ودستور ومؤسسات ونظام ديمقراطي، وبالتالي فإننا بحاجة إلى خطاب وطني يعبر عن الدولة والمواطنة والمستقبل، لا عن مرحلة تاريخية تجاوزناها.

والأمر لا يتعلق بالانتقاص من قيمة القصيدة أو شاعرها، وإنما بالسؤال عن مدى ملاءمة النص لرمز الدولة العراقية المعاصرة.

ثم إن أي نقاش حول الهوية الوطنية العراقية لا يمكن أن يتجاهل تضحيات الشعب الكوردي.

فحلبجة والأنفال وتهجير الكورد الفيليين وتدمير القرى ليست أحداثًا تخص الكورد وحدهم، كما أن المقابر الجماعية ومآسي الجنوب والوسط ليست مأساة مكوّن واحد.

لقد جمع العراقيين اتحاد الدم في مواجهة الاستبداد البعثي؛ عربيًا وكورديًا وتركمانيًا، شيعيًا وسنيًا ومسيحيًا وإيزيديًا وسائر مكونات الشعب.

وهذه الحقيقة انعكست في الدستور العراقي الذي استحضر في ديباجته مآسي حلبجة والأنفال والكورد الفيليين إلى جانب مآسي بقية العراقيين، وتحدث عن العراقيين وهم يسعون «يدًا بيد، وكتفًا بكتف» لصناعة عراق جديد.

كما أن المادة (12) من الدستور جعلت من رموز الدولة، ومنها النشيد الوطني، ما «يرمز إلى مكونات الشعب العراقي».

إذن، لماذا لا نفتح هذا الملف بهدوء ومسؤولية؟

لماذا لا تُشكّل لجنة وطنية عليا من الشعراء والأدباء والملحنين والموسيقيين والأكاديميين وأساتذة اللغة والتاريخ، لإعداد نشيد وطني جديد، عبر مسابقة أو مشروع وطني يشارك فيه مبدعو العراق؟

نحن لا نريد نشيدًا عربيًا ضد الكوردي، ولا كورديًا ضد العربي، ولا نشيدًا لطائفة أو قومية.

نريد نشيدًا للعراق كله.

نشيدًا يجد فيه العربي والكوردي والتركماني، والشيعي والسني والمسيحي والإيزيدي والصابئي، وكل عراقي، نفسه ووطنه.

لقد كانت الأجيال السابقة تناضل من أجل التحرر والاستقلال.

أما مسؤوليتنا اليوم فهي أن نبني دولة مستقلة، ديمقراطية، آمنة، عادلة، تحفظ كرامة مواطنيها وتصون تنوعهم.

لذلك، فإن الدعوة إلى تغيير النشيد ليست إساءة إلى الماضي، وإنما محاولة لصناعة رمز يليق بالحاضر والمستقبل.

نريد أن ننتقل من نشيد التحرر إلى نشيد الدولة، ومن لغة الاستقلال إلى لغة المواطنة، ومن ذاكرة الانقسام إلى وحدة العراق.

فالعراق الذي جمع أبناءه في الدم والتضحيات، يستطيع أن يجمعهم أيضًا في نشيد واحد.

نشيدٌ عندما يقف العراقي لسماعه، لا يبحث فيه عن نفسه بين الكلمات، بل يجد العراق كله فيه.