السبت - 29 اغسطس 2026

السيد محمد باقر الحكيم: من أروقة الحوزة العلمية إلى مشروع الدولة والمقاومة..!

منذ 22 ثانية
السبت - 29 اغسطس 2026

د. قحطان الظالمي _صحفي

 

 

 

يُعدّ السيد محمد باقر الحكيم (١٩٣٩–٢٠٠٣) من أبرز الشخصيات الدينية والسياسية العراقية المعاصرة إذ جمع في مسيرته بين العمق الحوزوي والموقف الجهادي والرؤية السياسية الوطنية وكان حضوره مؤثرا داخل العراق وعلى مستوى الإقليم ولد السيد محمد باقر الحكيم في النجف الأشرف ونشأ في بيت علم ومرجعية فهو نجل المرجع الأعلى السيد محسن الحكيم (قدّس سرّه) تلقّى علومه الدينية في الحوزة العلمية فدرس الفقه وأصوله والتفسير والفلسفة والمنطق وتأثر مبكرا بالمدرسة الرسالية التي ترى أن دور العالم لا يقتصر على التعليم بل يمتد إلى حماية المجتمع ومواجهة الظلم وقد أسهم في النشاط الثقافي والتوعوي داخل النجف لا سيما في أوساط الشباب مؤكدا على ارتباط الدين بقضايا الأمة.

ارتبط السيد الحكيم بعلاقات وثيقة مع كبار علماء النجف وكان من أبرزها علاقته الفكرية والرسالية مع الشهيد السيد محمد باقر الصدر حيث تشاركا الموقف الرافض للاستبداد البعثي والإيمان بضرورة حضور الإسلام في الشأن العام وقد شكّل استشهاد السيد الصدر محطة مفصلية في مسيرة السيد الحكيم إذ عمّق قناعته بأن الصراع مع نظام حزب البعث صراع وجودي وأن السكوت عن القمع يُفرغ الدين من مضمونه الرسالي.

اتخذ السيد محمد باقر الحكيم موقفا حاسما من نظام حزب البعث واعتبره نظاما شموليا قام على القمع والإقصاء ومحاربة المرجعية والحوزة ومع تصاعد حملات الاعتقال والإعدام بحق العلماء والنشطاء اعتقل ١٩٧٢ إعتقلته السلطات العراقية لأول مرة ثم أطلق سراحه ثم اعتقل مرة أخرى ١٩٧٧ أعتقل مرة أخرى وحُكم عليه بالسجن المؤبد لكنه أُطلق سراحه في عفو عام في يوليو/تموز ١٩٧٨ اضطر إلى مغادرة العراق قسرا لتبدأ مرحلة جديدة من العمل المعارض خارج البلاد لم تكن هجرة انسحاب بل انتقالا إلى مواجهة منظمة.

بعد انتصار الثورة الإسلامية في إيران عام ١٩٧٩ استقر السيد الحكيم في الجمهورية الإسلامية وأسهم في بناء مشروع معارض عراقي متكامل وفي عام ١٩٨٢ أسّس المجلس الأعلى للثورة الإسلامية في العراق كإطار سياسي جامع وأسّس فيلق بدر على مراحله كجناح عسكري منظم يضم العراقيين المعارضين للنظام كان دوره في هذه المرحلة قياديا وتنسيقيا يجمع بين الشرعية الدينية والتنظيم السياسي ويعمل على إيصال صوت الشعب العراقي إلى المحافل الإقليمية والدولية.

على المستوى الإقليمي كان للسيد محمد باقر الحكيم حضور فاعل في محور المقاومة وأقام علاقات وثيقة مع حزب الله في لبنان ومع سماحة السيد حسن نصر الله قامت على تبادل الخبرات ووحدة الموقف من الاحتلال والهيمنة وقد آمن بأن مقاومة الظلم والاحتلال حق مشروع شرط أن تبقى منضبطة بالقيم الدينية والأخلاقية وتحترم خصوصية كل ساحة وطنية.

شارك السيد الحكيم في العديد من المؤتمرات السياسية والفكرية التي ناقشت مستقبل العراق وسبل الخلاص من الدكتاتورية وامتاز خطابه بالطرح الوطني الجامع ورفض الانتقام والدعوة إلى الشراكة السياسية بين جميع مكونات الشعب العراقي.

بعد سقوط نظام صدام حسين عام ٢٠٠٣ عاد السيد محمد باقر الحكيم إلى العراق عودة تاريخية دعا خلالها إلى الوحدة الوطنية وكتابة دستور يضمن الحقوق وبناء دولة المؤسسات غير أن مشروعه التوافقي تعرّض لاستهداف مبكر إذ استُشهد في ٢٩ آب ٢٠٠٣ إثر تفجير إرهابي بعد صلاة الجمعة قرب مرقد الإمام علي (عليه السلام) في النجف الأشرف ليكون أول شهيد كبير في مرحلة العراق الجديدة مثّل السيد محمد باقر الحكيم نموذجا للعالم الرسالي والمجاهد المنظم والسياسي الوطني وكان مشروعه مشروع دولة لا مشروع سلطة ورحيله المبكر ترك أثرا بالغا في مسار العراق السياسي والفكري.

كان طموح السيد محمد باقر الحكيم يتجاوز حدود إسقاط نظام حزب البعث أو تحقيق نصر سياسي مرحلي إذ تمحور مشروعه حول بناء دولة عراقية عادلة ذات سيادة تستند إلى الإرادة الشعبية وتحترم المرجعية الدينية بوصفها ضميرا أخلاقيا موجّها لا سلطة حاكمة سعى إلى عراق يقوم على الشراكة الوطنية ويرفض الإقصاء والطائفية ويعيد الاعتبار للمؤسسات الدستورية مؤمنا بأن الاستقرار الحقيقي لا يتحقق بالسلاح بل بالدولة والقانون والعدالة الاجتماعية.

بعد سقوط نظام صدام حسين في نيسان ٢٠٠٣ اتخذ السيد محمد باقر الحكيم قرار العودة إلى العراق رغم إدراكه لحجم المخاطر الأمنية انطلاقا من شعوره بالمسؤولية التاريخية تجاه الشعب والمرحلة الانتقالية كانت عودته عودة قائد يحمل مشروعا سياسيا وأخلاقيًا لا عودة منتصر أو طالب سلطة وقد قوبلت باستقبال جماهيري واسع عكس مكانته الرمزية والدينية والسياسية.

في خطاباته بعد العودة ركّز السيد الحكيم على ضرورة ضبط المرحلة الانتقالية والدعوة إلى كتابة دستور يضمن حقوق جميع العراقيين ويؤسس لنظام سياسي تعددي شدّد على رفض منطق الثأر والانتقام ودعا إلى المصالحة الوطنية وإلى إشراك جميع المكونات في إدارة الدولة محذرا من الانزلاق إلى الفوضى أو الاحتراب الداخلي.

كما دعا إلى حصر السلاح بيد الدولة وبناء قوات أمن وطنية بعيدة عن الولاءات الضيقة ورأى أن القوى التي قارعت الدكتاتورية مطالَبة بالتحول إلى شركاء في بناء الدولة لا إلى قوى مهيمنة عليها وقد عكس هذا الموقف طموحه في الانتقال بالعراق من مرحلة الصراع إلى مرحلة الاستقرار السياسي والمؤسسي.

لم تمهله يد الإرهاب طويلا لتحقيق هذا المشروع إذ استُهدف بعد أشهر قليلة من عودته واستُشهد في تفجير إجرامي بعد صلاة الجمعة في النجف الأشرف في ٢٩ آب ٢٠٠٣ شكّل استشهاده صدمة وطنية كبرى وقطع الطريق على مشروع توافقي كان يمكن أن يخفف من حدّة الاستقطاب الذي شهده العراق لاحقًا.

بقي طموح السيد محمد باقر الحكيم حاضرا في الذاكرة السياسية العراقية بوصفه طموح رجل دولة لا طموح زعيم فئة ومشروعه ظلّ مرجعا أخلاقيا وسياسيا لكل من ينشد عراقا موحدا عادلا ومستقلا.