حين هاجرت العقول وبقي الوطن بانتظارها.. المسيحيون والإيزيديون وكفاءات العراق المغتربة… ثروة وطنية آن أوان استثمارها..!
حسن عبد الهادي زاير العگيلي
كاتب ومتخصص في التخطيط الاستراتيجي

لم تكن هجرة العراقيين من وطنهم خلال العقود الماضية مجرد انتقال جغرافي بحثاً عن حياة أفضل أو فرصة اقتصادية أوسع بل كانت في كثير من مراحلها نتيجة طبيعية لبيئة سياسية واجتماعية وأمنية دفعت الإنسان العراقي إلى البحث عن الأمان والحرية والاستقرار وفرصة العيش والعمل بعيداً عن الضغوط التي صنعتها أنظمة سياسية متعاقبة وحروب متتالية وأزمات اقتصادية واجتماعية عميقة. وكان من أكثر المتضررين من هذه التحولات أبناء المكونات العراقية الأصيلة وفي مقدمتها المسيحيون والإيزيديون الذين تعرضوا خلال عقود طويلة إلى موجات متراكمة من التهميش والهجرة والتهجير والعنف الأمر الذي أدى إلى خروج أعداد كبيرة منهم من العراق إلى دول مختلفة في أوروبا وبريطانيا والولايات المتحدة وأستراليا وغيرها.
إن الحديث عن هجرة المسيحيين والإيزيديين العراقيين لا ينبغي أن ينظر إليه بوصفه مجرد قضية سكانية أو ديموغرافية بل ينبغي أن ينظر إليه باعتباره قضية تتعلق بخسارة العراق جزءاً مهماً من رأس ماله البشري والمعرفي والثقافي. فبين الذين غادروا العراق أطباء ومهندسون وأساتذة جامعات وباحثون ومثقفون وخبراء في الإدارة والاقتصاد والتكنولوجيا ورجال أعمال وأصحاب مهن وتخصصات مختلفة استطاع كثير منهم أن يثبتوا وجودهم في المجتمعات التي احتضنتهم وأن يصلوا إلى مواقع علمية ومهنية وإدارية متقدمة.
وهنا تكمن المفارقة الكبرى التي ينبغي أن نتوقف عندها طويلاً. العراق الذي خسر هذه العقول استطاعت دول المهجر أن تستفيد من خبراتها وأن تفتح أمامها أبواب الجامعات والمؤسسات الطبية ومراكز البحوث والشركات الكبرى ومؤسسات الإدارة والاقتصاد والتكنولوجيا. وفي الوقت الذي كان العراق ينظر إلى المهاجر باعتباره إنساناً غادر الوطن فإن الدول المتقدمة كانت تنظر إليه باعتباره طاقة يمكن استثمارها وخبرة يمكن توظيفها وإضافة يمكن أن تعزز اقتصادها ومؤسساتها ومجتمعها.
لقد ساهمت سياسات الإقصاء والتبعيث والتسييس والارتهان الحزبي التي عاشها العراق في مراحل سابقة في إضعاف مبدأ تكافؤ الفرص وفي دفع كثير من أصحاب الكفاءات إلى مغادرة البلاد. ولم تكن المشكلة في مجرد وجود حزب أو نظام سياسي بعينه وإنما في تحويل الدولة ومؤسساتها إلى مساحة تضيق فيها فرص الإنسان كلما ابتعد عن الولاء السياسي المطلوب وتزداد فيها فرصه كلما اقترب من مراكز النفوذ. وفي مثل هذه البيئة يصبح العلم والخبرة أحياناً أقل قيمة من الانتماء السياسي وتتحول الكفاءة من مصدر قوة للدولة إلى مصدر قلق للسلطة.
وكان عدد من العراقيين الذين غادروا البلاد في ثمانينيات القرن الماضي وما قبلها قد أدركوا مبكراً خطورة المسار الذي كان العراق يسير فيه. فقد رأوا دولة تتجه نحو عسكرة المجتمع وتوسيع دائرة الصراع والدخول في مغامرات سياسية وحروب مدمرة وتغليب منطق السلطة على منطق الدولة والمؤسسات. ولذلك لم تكن مغادرتهم دائماً بحثاً عن المال أو الرفاه وإنما كانت في كثير من الأحيان محاولة لحماية الإنسان والعائلة والمستقبل العلمي والمهني من مستقبل بدا شديد الاضطراب.
ثم جاءت العقود اللاحقة لتؤكد حجم الكارثة التي دفع العراق ثمنها من دم أبنائه ومن موارده ومن فرصه التنموية. ومع كل حرب وأزمة وموجة عنف كانت موجات جديدة من العراقيين تغادر البلاد حاملة معها جزءاً من المعرفة العراقية وجزءاً من الخبرة العراقية وجزءاً من الذاكرة العراقية.
لكن السؤال الذي ينبغي أن نطرحه اليوم ليس فقط لماذا هاجر هؤلاء العراقيون وإنما السؤال الأهم هو ماذا فعلت الدولة العراقية بعد أن أصبحوا في الخارج وكيف يمكن تحويل هذه الهجرة من خسارة وطنية إلى فرصة وطنية.
إن العراق لا يحتاج اليوم إلى مطالبة جميع كفاءاته المهاجرة بالعودة الجغرافية إلى الوطن لأن ذلك غير واقعي ولا يتناسب مع طبيعة العالم الحديث. فالطبيب العراقي الموجود في لندن أو سيدني يمكن أن يقدم استشارة لمستشفى عراقي من خلال وسائل الاتصال الحديثة والأستاذ الجامعي الموجود في الولايات المتحدة يستطيع أن يشرف على بحث علمي عراقي والمهندس الموجود في ألمانيا يستطيع أن يقدم خبرته لمشروع عراقي والخبير الاقتصادي الموجود في كندا يستطيع أن يشارك في إعداد سياسة اقتصادية عراقية والباحث الموجود في إحدى الجامعات الأوروبية يستطيع أن يفتح جسراً علمياً مع جامعة عراقية ورجل الأعمال العراقي في الخارج يستطيع أن يكون بوابة للاستثمار والتجارة ونقل المعرفة.
وهذا هو المفهوم الذي ينبغي أن تتحول إليه الدولة العراقية وهو استثمار الكفاءات العراقية في الخارج عن بعد.
إن العالم لم يعد يقيس قيمة الإنسان بمكان وجود جسده وإنما بمقدار المعرفة والخبرة التي يستطيع أن يقدمها. ولذلك فإن الكفاءة العراقية الموجودة في أوروبا أو أمريكا أو أستراليا أو بريطانيا لا ينبغي أن ينظر إليها باعتبارها خسارة نهائية للعراق بل باعتبارها امتداداً عراقياً خارج الحدود يمكن إعادة ربطه بالوطن من خلال منظومة مؤسساتية حديثة.
وتزداد أهمية هذا الموضوع عندما يتعلق الأمر بالمسيحيين والإيزيديين الذين تعرضوا خلال العقود الماضية إلى خسائر بشرية واجتماعية وثقافية كبيرة. فالحفاظ على وجود هذه المكونات في العراق لا يتحقق فقط من خلال البيانات السياسية أو التمثيل البرلماني أو الحماية الأمنية وإنما يحتاج إلى بناء دولة يشعر فيها الإنسان بأن هويته مصونة وأن كفاءته محترمة وأن مستقبله لا يرتبط بولائه السياسي أو بانتمائه المذهبي أو الديني وإنما بقدرته وعلمه وخبرته.
إن الكفاءة المسيحية أو الإيزيدية التي تعيش اليوم في لندن أو واشنطن أو سيدني أو برلين ليست مجرد فرد يعيش بعيداً عن العراق بل يمكن أن تكون جزءاً من مستقبل العراق إذا نجحنا في بناء جسور مؤسساتية حقيقية معها.
ولا توجد حتى الآن قاعدة بيانات عراقية وطنية شاملة يمكن من خلالها معرفة العدد الدقيق للكفاءات العراقية في الخارج وتخصصاتها ومواقعها المهنية واستعدادها للتعاون مع المؤسسات العراقية. وهذه ليست مجرد مشكلة إحصائية وإنما مشكلة تخطيطية بالدرجة الأولى لأن الدولة التي لا تعرف أين توجد كفاءاتها ولا تعرف ما الذي تستطيع تقديمه لا يمكنها أن تخطط لاستثمارها بصورة صحيحة.
إن الأرقام المتاحة عن العراقيين المقيمين في دول المهجر تكشف فقط حجم الكتلة البشرية العراقية الموجودة خارج البلاد لكنها لا تكشف بصورة دقيقة عن حجم الكتلة العلمية والمهنية الموجودة داخلها. ففي أستراليا أظهر تعداد عام 2021 وجود أكثر من 92 ألف شخص مولود في العراق وفي الولايات المتحدة تشير بيانات حديثة إلى أكثر من 216 ألف شخص مولود في العراق وفي بريطانيا تظهر بيانات التعداد أعداداً كبيرة من العراقيين المقيمين هناك. وهذه الأرقام تخص المولودين في العراق أو الجاليات العراقية بصورة عامة ولا تعني أن جميعهم من أصحاب الكفاءات ولذلك فإن الحاجة أصبحت ملحة إلى إجراء مسح وطني متخصص للكفاءات العراقية في الخارج.
ومن هنا فإن الحكومة العراقية مطالبة اليوم بالانتقال من مرحلة الحديث العام عن العراقيين في الخارج إلى مرحلة التخطيط المؤسسي لاستثمارهم.
وأقترح في هذا السياق إنشاء منظومة وطنية متخصصة لاستثمار الكفاءات العراقية في الخارج تبدأ بإنشاء قاعدة بيانات وطنية رقمية للكفاءات العراقية تتضمن التخصص العلمي والخبرة المهنية والدولة التي يقيم فيها الشخص والمؤسسة التي يعمل فيها والاستعداد للتعاون ونوع الخبرة التي يستطيع تقديمها للعراق.
كما ينبغي إنشاء وحدة أو قسم متخصص في كل وزارة ومؤسسة حكومية معنية بالتخطيط والتنمية والبحث العلمي تكون مهمته التواصل مع الكفاءات العراقية في الخارج وربطها باحتياجات المؤسسة.
ولا بد من تشكيل لجنة وطنية عليا لاستثمار الكفاءات العراقية في الخارج تضم ممثلين عن الوزارات والجامعات ومؤسسات التخطيط والقطاع الخاص والجهات المعنية بالعراقيين في الخارج وتكون مهمتها وضع استراتيجية وطنية واضحة لاستقطاب الخبرات وإدارتها وتحويلها إلى مشاريع وبرامج قابلة للقياس.
إن هذه اللجنة يجب ألا تكون لجنة بروتوكولية جديدة تضاف إلى عشرات اللجان الموجودة في مؤسسات الدولة وإنما ينبغي أن تكون جهة تنفيذية تمتلك قاعدة بيانات وصلاحيات واضحة ومؤشرات أداء وبرامج سنوية وموازنة محددة وتقدم تقارير دورية عن حجم المعرفة والخبرة التي تم استقطابها إلى الداخل.
كما ينبغي إطلاق برنامج وطني يمكن أن نطلق عليه اسم «العقل العراقي من أجل العراق» يقوم على أساس التطوع المهني والاستشارات والتدريب والتعليم والبحث العلمي ونقل التكنولوجيا بحيث يستطيع العراقي الموجود في الخارج أن يقدم جزءاً من خبرته إلى وطنه من دون أن يكون مضطراً إلى ترك مكان إقامته أو عمله.
لكن هناك شرطاً أساسياً لنجاح هذه الفكرة وهو أن تتغير البيئة المؤسسية في الداخل العراقي. فلا يمكن أن نستدعي خبيراً عراقياً يعيش في جامعة عالمية أو مؤسسة دولية تحكمها معايير الكفاءة والشفافية ثم نضعه أمام واقع مؤسسي تتحكم فيه الواسطة والمحاصصة والتدخلات الحزبية. إن الكفاءة التي نريد استقطابها تحتاج إلى ضمانات مهنية وقانونية وإدارية واضحة وإلى بيئة تجعلها تشعر بأن خبرتها ستكون موضع احترام وأن قرارها العلمي لن يخضع للمساومات السياسية.
إن استثمار الكفاءات العراقية في الخارج ليس مشروعاً خاصاً بالمسيحيين أو الإيزيديين وحدهم وإنما هو مشروع وطني عراقي شامل لكن الاهتمام بالمكونات التي فقد العراق بسبب هجرتها أعداداً كبيرة من علمائها ومثقفيها ومهنييها يمثل جزءاً من مسؤولية الدولة في حماية التنوع العراقي والحفاظ على رأس المال البشري والثقافي الذي يمثل ثروة وطنية لا يمكن تعويضها بسهولة.
إن المسيحي العراقي الذي هاجر قبل عقود والإيزيدي الذي اضطر إلى مغادرة وطنه بسبب الخوف أو التهجير لم يأخذ معه شيئاً من العراق فحسب بل أخذ معه علماً وخبرة وذاكرة وثقافة وهوية. وإذا استطاعت الدولة أن تعيد ربط هذه الكفاءات بالداخل فإنها تكون قد أعادت جزءاً من العراق إلى العراق.
لقد آن الأوان لكي ننتقل من مفهوم هجرة العقول إلى مفهوم تدوير العقول ومن مفهوم خسارة الكفاءة إلى مفهوم استثمار الكفاءة ومن انتظار عودة المهاجر جسداً إلى استثمار معرفته وخبرته أينما كان.
إن العراق لا يستطيع أن يستمر في تصدير العقول ثم دفع الأموال لاستيراد الخبرات الأجنبية. ولا يعني ذلك رفض الخبرة الأجنبية أو التقليل من أهميتها وإنما يعني أن من حق الكفاءة العراقية الموجودة في الخارج أن تجد مكاناً في مشروع وطنها وأن تجد الدولة العراقية الآلية التي تمكنها من المشاركة دون عوائق بيروقراطية أو سياسية.
إننا أمام ثروة وطنية هائلة لا تظهر في الموازنات ولا تسجل في سجلات النفط ولا تقاس بعدد المباني والمشاريع. إنها ثروة موجودة في عقول العراقيين المنتشرين في العالم.
وإذا كان العراق قد خسر خلال العقود الماضية جزءاً كبيراً من هذه العقول بسبب الحروب والاستبداد والعنف والتهجير فإن خسارتها لا ينبغي أن تكون أبدية.
فالطبيب يستطيع أن يعود بخبرته وإن لم يعد بجسده والأستاذ يستطيع أن يعود بعلمه والمهندس يستطيع أن يعود بتجربته والباحث يستطيع أن يعود بمعرفته ورجل الأعمال يستطيع أن يعود باستثماره.
وهكذا يصبح العراق قادراً على تحويل الشتات من حالة اغتراب إلى شبكة وطنية للمعرفة والخبرة والتنمية.
إن حدود الوطن لا تنتهي عند الحدود الجغرافية وإن العراق الحقيقي لا يعيش داخل خريطة سياسية فقط بل يعيش أيضاً في عقول أبنائه وذاكرتهم وخبراتهم.
لقد هاجرت العقول العراقية في مراحل مختلفة وبقي الوطن ينتظرها.
واليوم لم يعد المطلوب أن ننتظر عودتها فقط بل المطلوب أن نعرف أين هي وأن نطرق أبوابها وأن نستمع إلى خبرتها وأن نضع لها مكاناً حقيقياً في مشروع التنمية الوطنية.
فإذا عجزنا عن إعادة العقول إلى العراق فعلينا على الأقل أن نعيد العراق إلى عقول أبنائه.




