الخميس - 27 اغسطس 2026
منذ 3 ساعات
الخميس - 27 اغسطس 2026

 رياض الفرطوسي ||

 

 

 

 

ربما بالغنا كثيراً في الكلام عن الوطن.

رفعناه إلى مرتبة القصيدة، ووضعناه في الخطب والأناشيد، رسمناه على الخرائط، وعلقنا صوره على الجدران، ثم طلبنا من الإنسان أن يحبه كما لو أن الحب وحده يكفي لكي يصبح المكان وطناً.

لكن الوطن، في نهاية الأمر، ليس خريطة معلقة على جدار، ولا نشيداً نقف له، ولا اسماً كبيراً نردده حين تضيق بنا السياسة.

الوطن هو ما يحدث للإنسان عندما يفتح عينيه في الصباح.

هل يخرج مطمئناً؟ هل يعرف أنه سيعود؟ هل يستطيع أن يخطط للغد؟ هل يملك الحق في أن يقول ما يفكر فيه، وأن يختلف، وأن يخطئ، وأن يبدأ من جديد؟

ربما هنا يبدأ الوطن.

من التفاصيل التي لا يكتبها أحد في الدساتير، لكنها تسكن في حياة الناس.

طفل يحمل حقيبته ويذهب إلى مدرسته من دون أن تلاحقه أمّه بنظرات الخوف.

عامل يغادر بيته في الفجر، ويعرف أن الطريق الذي يسلكه اليوم هو الطريق نفسه الذي سيعيده إلى عائلته في المساء.

امرأة تقف أمام نافذتها، لا لتراقب الشارع بحثاً عن ابن تأخر، بل لتفتح الستارة وتدع الصباح يدخل.

ورجل يجلس في مقهى مع صديقه، يختلف معه في السياسة، ثم يضحكان على شيء آخر، وينتهي الخلاف قبل أن ينتهي فنجان الشاي.

هذه الأشياء الصغيرة هي التي تصنع وطناً كبيراً.

نحن لا نحتاج إلى وطن يطلب من المواطن أن يكون بطلاً كل يوم. نحتاج إلى وطن يسمح له بأن يكون إنساناً.

أن يمشي في الشارع من دون أن يشعر أن عيوناً مجهولة تزن خطواته. أن يركب سيارة الأجرة من دون أن يحفظ رقمها تحسباً لشيء لا يعرفه.

أن يدخل مؤسسة الدولة حاملاً معاملته، لا اسم الشخص الذي يعرفه داخلها. أن يقف أمام الموظف بصفته مواطناً، لا بصفته طالب نجدة.

فالدولة التي تجعل الحق محتاجاً إلى واسطة، تجعل المواطن يشعر أن القانون ليس بيته، بل باب مغلق يحتاج إلى مفتاح.

والوطن الذي نحلم به هو الذي يكون فيه القانون هو المفتاح.

لا يسأل عن اسمك قبل أن ينصفك، ولا عن جماعتك قبل أن يحميك، ولا عن مقدار قربك من السلطة قبل أن يعترف بحقك.

القانون لا ينبغي أن يكون حارساً على باب الدولة، بل سقفاً يستظل تحته الجميع.

فإذا كان القانون ينحني أمام القوة، لم يعد قانوناً.

وإذا كانت العدالة تحتاج إلى هاتف من شخص مهم، فإنها لم تعد عدالة، بل خدمة خاصة.

نحلم بوطن تكون فيه الكفاءة طريقاً إلى المكان، لا القرابة.

وأن يصبح الرجل مسؤولاً لأنه يعرف كيف يدير مؤسسة، لا لأنه يعرف صاحب المؤسسة.

أن يجلس الطبيب في مكانه لأنه طبيب.

والأستاذ لأنه أستاذ.

والقاضي لأنه يعرف معنى العدالة.

والمهندس لأنه يعرف كيف يبني.

وأن لا تتحول الدولة إلى غرفة انتظار طويلة، يجلس فيها أصحاب الخبرة خارج الباب، بينما يدخل من يحملون المفاتيح لا الكفاءة.

نحلم أيضاً بوطن لا يخاف فيه الإنسان من أفكاره.

أن يكتب الكاتب ما يعتقد.

وأن يقول الصحفي ما يرى.

وأن يسأل الطالب أستاذه من دون أن ينظر خلفه.

وأن يختلف المواطن مع الحكومة دون أن يتحول الاختلاف إلى تهمة.

فالإنسان الذي لا يستطيع أن يقول “لا” لا يعرف معنى “نعم”.

والدولة التي لا تحتمل السؤال، ستظل تخاف من الجواب.

الوطن ليس مكاناً نتفق فيه جميعاً، بل مكاناً نستطيع فيه أن نختلف دون أن نفقد حقنا في الحياة.

أن نحب أشياء مختلفة.

أن نقرأ كتباً مختلفة.

أن نسمع أغاني مختلفة.

أن نشجع فرقاً مختلفة.

أن ننتمي إلى أفكار مختلفة.

ثم نلتقي جميعاً تحت سقف واحد، لأن الوطن أوسع من خلافاتنا.

هذه هي عظمة الوطن.

أن يمنحك حق الاختلاف من دون أن يسحب منك حق الانتماء.

ونحلم بوطن يعرف أين تنتهي سلطته.

فليست كل حياة المواطن شأناً عاماً.

في قلب الإنسان غرفة لا ينبغي لأحد أن يدخلها.

هناك أفكاره، وذكرياته، وحبه، وخوفه، وأسراره الصغيرة التي لا تؤذي أحداً.

الدولة العادلة لا تحتاج إلى أن تعرف كل شيء عن مواطنيها كي تحميهم.

يكفيها أن تحمي القانون.

فالإنسان ليس ملفاً أمنياً.

وليس رقماً في سجل.

وليس ماضياً مفتوحاً إلى الأبد.

إنه كائن يتغير.

يخطئ.

يندم.

يتعلم.

ويبدأ من جديد.

ومن حق الإنسان أن تكون له فرصة ثانية، وثالثة، وربما حياة كاملة بعد خطأ واحد.

الوطن الذي لا يسمح لأبنائه بأن يتغيروا، يحولهم إلى أسرى لماضيهم.

ونحلم بوطن تكون فيه الوظيفة باباً إلى الخدمة، لا سلماً إلى السلطة.

أن يدخل الموظف مكتبه وهو يعرف أن المواطن أمامه صاحب حق، لا شخص جاء ليطلب معروفاً.

أن يخرج المريض من المستشفى وقد حصل على علاجه، لا على موعد مع واسطة.

أن يذهب الطالب إلى الجامعة لأنه يستحق، لا لأنه يعرف من يفتح له الباب.

أن يحصل الإنسان على حقه لأنه حقه.

فقط.

كم تبدو هذه الكلمة بسيطة.

وكم نفتقدها حين يصبح كل شيء في الحياة بحاجة إلى شخص يعرف شخصاً يعرف شخصاً.

حتى أبسط الأشياء تتحول إلى رحلة طويلة بين الأبواب.

والوطن الذي نحلم به هو الذي يعيد الأشياء إلى بساطتها.

الماء ماء.

والكهرباء كهرباء.

والمدرسة مدرسة.

والمستشفى مستشفى.

والشارع شارعاً.

والشرطة شرطة.

والحكومة حكومة.

لا يحتاج المواطن إلى قاموس خاص لفهم الحياة.

نريد أن تكون الأشياء كما تبدو.

أن تفتح الصنبور فيأتي الماء.

أن تضغط على مفتاح فيأتي الضوء.

أن تتصل بالشرطة فتأتي الشرطة.

أن تذهب إلى المحكمة فتجد المحكمة.

أن تدخل المستشفى فتجد الطبيب.

ربما تبدو هذه أمنيات صغيرة أمام الكلام الكبير عن بناء الدولة، لكنها في الحقيقة الدولة نفسها.

فالمواطن لا يعيش داخل الأرقام التي تعلنها الحكومات.

يعيش داخل بيت.

ويمشي في شارع.

ويذهب إلى عمل.

ويشتري طعاماً.

ويرسل أبناءه إلى المدرسة.

ويمرض.

ويحتاج إلى دواء.

ويعود في المساء إلى سريره.

من هنا يقيس الإنسان نجاح وطنه.

لا من المنصة.

بل من الرصيف.

لا من الخطاب.

بل من فاتورة الكهرباء.

لا من صورة المسؤول.

بل من وجه الموظف حين يقف أمامه مواطن فقير.

الوطن الذي نحلم به لا يجعل الهجرة حلماً يومياً.

لا يجعل الأب ينظر إلى جواز سفر ابنه كما ينظر إلى شهادة تخرجه.

ولا يجعل الأم تفرح حين يقول ابنها إنه حصل على تأشيرة أكثر مما تفرح حين يقول إنه حصل على وظيفة.

لا نريد أن يصبح النجاح في وطننا هو القدرة على مغادرته.

نريد أن يستطيع الشاب أن يقول: سأبقى.

لا لأن العالم أغلق أبوابه في وجهه، بل لأنه وجد في بلده باباً مفتوحاً للمستقبل.

وهنا يصبح الوطن أكثر من مكان.

يصبح وعداً.

وعداً بأن الغد ممكن.

أن الطفل الذي يذهب اليوم إلى المدرسة يستطيع غداً أن يصبح طبيباً أو معلماً أو شاعراً أو مهندساً أو عاملاً ماهراً، من دون أن يكون اسم أبيه أهم من اسمه.

وأن الأم التي تودع ابنها في الصباح تستطيع أن تنتظر المساء بثقة.

وأن الأب يستطيع أن يبني خطة لعشرين عاماً، لا أن يبحث عن تذكرة سفر لعشرين دقيقة.

وأن الشاب يرى مستقبله أمامه، لا في بلد آخر.

نحلم بوطن نستطيع أن نكبر فيه.

أن نزرع شجرة ونراها تكبر معنا.

أن نعرف الجيران، لا أن نخاف منهم.

أن تبقى رائحة البيت في مكانها.

أن تعود بعد غياب طويل فتجد المدينة قد تغيرت، نعم، لكنها لم تفقد روحها.

فالأوطان ليست مباني فقط.

الوطن ذاكرة.

صوت بائع في الصباح.

مقعد قديم في مدرسة.

شارع حفظ خطانا.

أغنية تفتح في القلب باباً لا يعرف أحد أين يقع.

مقهى تركنا فيه ضحكة ولم نأخذها معنا.

نهر مررنا بجانبه ونحن صغار، ثم عدنا إليه بعد سنوات فوجدناه ما زال يعرفنا.

الوطن هو كل ما يجعل الإنسان يقول، من دون تفكير طويل: هنا بدأت حياتي.

وهنا أريد أن أكملها.

لقد أتعبتنا الأوطان التي تطلب منا أن نموت من أجلها قبل أن تمنحنا فرصة كافية لكي نعيش فيها.

نريد هذه المرة وطناً مختلفاً.

وطناً لا يطلب من المواطن أن يكون بطلاً.

بل يسمح له أن يكون إنساناً.

يبدأ هذا الوطن من طفل يذهب إلى مدرسته آمناً، ومن أم لا تنتظر عودة ابنها بقلق، ومن أب يخطط لغد أبنائه بدل أن يخطط لرحيلهم، ومن شاب يرى مستقبله هنا، لا في حقيبة سفر.

يبدأ حين يصبح القانون أقوى من الخوف، والكفاءة أقوى من الواسطة، والإنسان أغلى من المنصب، والحياة أبسط من كل هذه التعقيدات التي صنعناها حولها.

وربما لن نصنع وطناً مثالياً، فليس هناك وطن كامل.

لكننا نستطيع أن نصنع وطناً لا يضطر فيه الإنسان إلى الاعتذار عن أحلامه، ولا إلى الهرب كي يجد مستقبله، ولا إلى الصمت كي يحافظ على حياته.

وطناً إذا غاب عنه أحد، اشتقنا إليه، لا لأننا نخشى أن يكون قد اختفى.

وطناً يعود إليه المهاجر لا لأن الغربة طردته، بل لأن الوطن جذبه.

وعندها لن نحتاج إلى أن نسأل: أين الوطن؟

سنكون قد وصلنا إليه.

وسيكون أجمل ما فيه أن أبناءه لن يحلموا بمغادرته، بل سيجلسون ذات مساء تحت شجرة زرعوها بأيديهم، ينظرون إلى أطفالهم وهم يكبرون، ويتبادلون حديثاً بسيطاً عن الغد.

ثم يقول أحدهم، وكأنه يقول أبسط الأشياء وأعظمها:

هنا نريد أن نبقى.

وهنا، أخيراً، يبدأ الوطن الذي نحلم به.