هل أصبح العراق يحتاج إلى “جلاد عادل”؟!
الكاتب والباحث بالشأن السياسي أثير الشرع ||

العراق اليوم لا يعاني فقط من أزمة سياسية أو إقتصادية، بل من أزمة أعمق: أزمة قرار، تعدد مراكز النفوذ، تضارب المصالح، وتمسك القوى السياسية بما تسميه “المكتسبات”، جعل الدولة في كثير من الأحيان تبدو وكأنها تدار بمنطق التوافق على المصالح، لا بمنطق القانون والمصلحة العامة.
منذ عام 2003، نشأت طبقة سياسية واسعة إستطاعت، عبر سنوات السلطة والنفوذ، أن تبني شبكات إقتصادية وسياسية وإجتماعية ضخمة، فيما بقي المواطن العراقي يسأل السؤال البسيط: أين حصتي من ثروة بلدي؟ العراق بلد غني، لكن المواطن لم يصبح غنياً؛ النفط يُباع، والموازنات تتضخم، والمشاريع تُعلن، والإمتيازات تتوزع، بينما تتراكم الأزمات: كهرباء، بطالة، سكن، خدمات، وفقر، في بلد كان يمكن أن يكون واحداً من أغنى بلدان المنطقة.
لهذا ربما أصبح العراق بحاجة إلى ما يمكن تسميته، مجازاً، «جلاداً عادلاً»! ليس جلاداً يبطش بالناس، وإنما حاكماً يمتلك من القوة السياسية والشجاعة ما يكفي ليقول: لا للمحاصصة، لا للفساد، لا للسلاح خارج الدولة، ولا لإمتيازات الأحزاب عندما تتعارض مع مصلحة المواطن.
حاكماً لا ينظر إلى إسم الحزب أو الطائفة أو العشيرة عندما يطبق القانون، ولا يسأل عن حجم النفوذ قبل أن يحاسب المسؤول.
العراق لا يحتاج إلى رجل قوي على حساب الدولة، بل إلى دولة قوية على حساب الجميع، والقلق اليوم لا يتعلق فقط بالخلافات داخل العملية السياسية، وإنما بإحتمال إنتقال مركز القرار تدريجياً من المؤسسات الدستورية إلى التفاهمات السياسية خارجها، وقد ظهر هذا الجدل مجدداً مع الحديث عن توجه الإطار التنسيقي للعمل بوصفه “مجلس قيادة لإدارة الدولة” وهنا السؤال الأخطر: إذا كان الإطار السياسي هو الذي يضع الخطوط العامة للقرار، فأين تنتهي صلاحيات الدولة وأين تبدأ صلاحيات القوى السياسية؟
لقد أكد الإطار التنسيقي نفسه أن القرار الوطني والحرب والسلم يجب أن يكونا عبر المؤسسات الدستورية، كما أعلن في وقت سابق تفويض رئيس الوزراء باتخاذ إجراءات لحصر السلاح بيد الدولة، لكن الإختبار الحقيقي ليس في البيانات، وإنما في التطبيق.
العراق لا يحتاج اليوم إلى مزيد من التوافقات التي تحمي الجميع، وإنما إلى عدالة تحاسب الجميع، العراق لا يحتاج إلى «جلاد» بالمعنى الحرفي، وإنما إلى قائد يستطيع أن يكون عادلاً إلى درجة أن يخاف منه الفاسد، ويحترمه الشريف، ويطمئن إليه المواطن.
فهل يستطيع النظام السياسي العراقي أن ينتج مثل هذا القائد؟ أم أن «المكتسبات» أصبحت أقوى من الدولة، وأصبحت حماية المصالح أقوى من حماية العراق؟ ذلك هو السؤال الذي يجب أن نطرحه قبل أن نسأل: من سيحكم العراق؟
الكاتب والباحث بالشأن السياسي أثير الشرع




