الخميس - 27 اغسطس 2026
منذ 4 ساعات
الخميس - 27 اغسطس 2026

 طه حسن الأركوازي

 

 

 

الشعوب التي تنسى تاريخها لا تفقد ذاكرتها فحسب ، بل تفقد قُدرتها على فهم حاضرها وحماية مستقبلها ، فالتاريخ ليس أرشيفاً للماضي ، وإنما أحد أهم أسلحة الوعي في مواجهة الأزمات .

وحين يتراجع الوعي ، يصبح المُجتمع أكثر قابلية لتصديق الروايات الجاهزة ، وأكثر أستعداداً للانقسام ، وأقل قُدرة على التمييز بين المصلحة الوطنية ومشاريع الآخرين .

في الصراعات الحديثة لم تعد السيطرة تبدأ دائماً بالدبابات والطائرات ، فالسلاح يستطيع أحتلال الأرض ، لكن الإعلام يستطيع أحتلال الوعي ، وإذا أحتُلت العقول تصبح السيطرة على الأرض أقل كُلفة وأكثر دواماً ، فالمعركة الحقيقية لا تدور فقط حول الحدود والمواقع ، بل حول الرواية التي يُصدقها الناس ، والصورة التي تتشكل في أذهانهم عن دولتهم ، وعن أعدائهم ، وعن مستقبلهم .

وهنا تكمن خطورة المرحلة التي يمر بها العراق ، فالعراق ليس جزيرة معزولة عن مُحيط إقليمي مُضطرب ، ولا يستطيع تجاهل ما يجري حوله ، لكنه في الوقت نفسه ليس مُضطراً لأن يكون ساحة لتصفية حسابات الآخرين .

وبين الانعزال والتورط توجد مساحة ثالثة هي الدولة القوية ذات القرار السيادي ، دولة تعرف مصالحها ، وتُحدد أولوياتها ولا تسمح بتحويل أراضيها أو مُؤسساتها إلى أدوات في صراعات لا تخدم شعبها .

إن أخطر ما يواجه العراق اليوم ليس التهديد الخارجي وحده ، بل قابلية الداخل للتأثر به .؟

فعندما تتعدد مراكز القرار ، وتتضارب الرسائل السياسية ، وتضعف هيبة المُؤسسات ، يصبح الأمن أكثر هشاشة ، ويصبح المُجتمع أكثر عُرضة للحرب النفسية والشائعات والتحريض والاستقطاب .

لذلك فإن توحيد القرار الأمني والسيادي ليس شعاراً سياسياً ، بل ضرورة لحماية الدولة والمجتمع معاً .

والسلاح في العراق لا ينبغي أن يكون موضع خلاف عندما يكون في إطار الدولة ، لأن الدولة الحديثة لا تحتكر القُوة لمُجرد الهيمنة ، وإنما تحتكرها لحماية القانون والمواطن والسيادة .

وكُلما تعددت مراكز القوة خارج الإطار المُؤسسي ، تراجعت قُدرة الدولة على أتخاذ القرار المُستقل مهما كانت النيات المُعلنة ، لكن بناء الدولة لا يتحقق بالسلاح وحده ، فالدولة التي تُريد تحصين نفسها تحتاج إلى أقتصاد مُنتج لا يعتمد على مورد واحد ، ومُؤسسات مهنية لا تقوم على الولاء ، وقضاء قادر على إنفاذ القانون ، وإدارة تُحارب الفساد والهدر ، وإعلام وطني مهني يواجه التضليل دون أن يتحول هو الآخر إلى أداة للدعاية السياسية .

والتجارب الدولية تُؤكد أن الدول التي خرجت من الحروب والانهيارات لم تنهض لأنها أمتلكت موارد أستثنائية ، بل لأنها أعادت بناء مُؤسساتها ، وأستثمرت في الإنسان ، وربطت الأمن بالتنمية ، وجعلت القانون أعلى من الأشخاص والجماعات ، وحولت الذاكرة المُؤلمة إلى مشروع لبناء المُستقبل بدلاً من إبقائها وقوداً للصراع .

صحيح أن العراق يمتلك من التاريخ والثروات والطاقات البشرية ما يُؤهله لأن يكون دولة مُؤثرة ومُستقرة ، لكن ذلك يتطلب أنتقالاً حقيقياً من “إدارة الأزمات إلى بناء الدولة” ، وعلى الطبقة السياسية أن تدرك أن حماية النظام السياسي لا تكون بحماية مراكز النفوذ ، وإنما بحماية الدولة نفسها ، وعلى الحكومة أن تجعل سيادة القانون ، ووحدة القرار ، ومُكافحة الفساد ، وحماية السلم الأهلي ، وتنويع الاقتصاد ، وبناء مُؤسسات الدولة ، مشروعاً وطنياً يتجاوز الحسابات الانتخابية والمرحلية .

أخيراً وليس آخراً .. العراق لا يحتاج إلى دولة تدخل كُل معركة ، ولا إلى دولة تنسحب من كُل مواجهة ، بل إلى دولة تعرف متى تقول نعم ، ومتى تقول لا ، ولماذا تقولها .؟

دولة لا تُدار بردود الأفعال ، ولا تُستدرج إلى الحروب ، ولا تسمح بأن تتحول أرضها إلى ساحة صراع ، فالقوة الحقيقية ليست في كُثرة السلاح ، بل في قُدرة الدولة على منع أستخدامه خارج القانون ، وليست في كُثرة المنابر ، بل في قُدرتها على إنتاج رواية وطنية صادقة ، وليست في رفع الشعارات ، بل في بناء مُؤسسات تجعل المواطن يشعر أن الدولة هي ملاذه الأول والأخير .
وحين تستعيد الدولة العراقية قرارها ، وتستعيد مؤسساتها ثقة المواطن ، يصبح العراق قادراً على حماية أرضه وعقله ومُستقبله معاً ، لأن الأرض قد تُحمى بالسلاح

أما الدولة فلا يحميها في النهاية إلا الوعي والقانون ووحدة القرار …!