الجمعة - 28 اغسطس 2026

ما زال الفساد والسلاح المنفلت يسرح ويمرح..!

منذ 19 ساعة
الجمعة - 28 اغسطس 2026

الكاتب والباحث بالشأن السياسي أثير الشرع

 

 

 

ماذا يعني أن تذهب قوة أمنية عراقية لتطبيق القانون، فتعود منها جثامين شهداء وجرحى؟ وماذا يعني أن تتحول مهمة إزالة تجاوز عمراني إلى مواجهة مسلحة يسقط فيها ضابط برتبة عميد ومنتسب، ويصاب آخرون؟

السؤال هنا ليس عن حادثة أمنية عابرة، ولا عن منطقة في بغداد فحسب، وإنما عن سؤال أكبر بكثير: أين وصلت هيبة الدولة؟ومن المسؤول عن الوصول بها إلى هذه المرحلة؟

ما حدث في منطقة الدورة، أثناء تنفيذ حملة لإزالة التجاوزات، ليس مجرد إشتباك ميداني، إنه جرس إنذار جديد يقول إن الدولة ما زالت تواجه واقعاً معقداً من التجاوز على القانون، والسلاح غير المنضبط، والمصالح التي تحاول فرض إرادتها بالقوة، والسؤال الذي يفرض نفسه: كيف يمكن لموظف أو ضابط أو قوة أمنية أن تطبق قراراً حكومياً إذا كانت تعلم أن الطرف الآخر قد يمتلك سلاحاً قادراً على تحويل عملية إدارية أو قانونية إلى معركة؟

من المسؤول عن هذا الواقع؟ هل المسؤول هي هذه الحكومة وحدها؟ أم أن المسؤولية تمتد إلى حكومات سابقة سمحت، في مراحل مختلفة، بتراكم ظاهرة السلاح خارج السيطرة الكاملة للدولة، حتى أصبح العراق أمام واقع تتعدد فيه مصادر القوة؟

هل تستطيع الحكومة الحالية أن ترمم ما تركته الحكومات السابقة من أخطاء، أم أن كل حكومة ستواصل ترحيل الملفات الثقيلة إلى الحكومة التي بعدها؟ هذه ليست أسئلة للمزايدة السياسية، وإنما أسئلة ينبغي أن تطرحها الدولة على نفسها قبل المواطن.

لقد أعلنت وزارة الداخلية، منذ سنوات، عن برامج لتنظيم حيازة السلاح وتسجيله وحصره بيد الدولة، وأطلقت خدمات إلكترونية لهذا الغرض، بل إن هناك إجراءات مخصصة لشراء الأسلحة المتوسطة من المواطنين ضمن خطة الحصر.

لكن السؤال البسيط هو: إذا كانت الدولة تسجل السلاح منذ سنوات، فلماذا ما زلنا نرى السلاح يظهر في لحظة تطبيق القانون؟وإذا كانت هناك لجان وجرد وتسجيل وتنظيم، فأين وصلت النتائج الفعلية؟ وهل المشكلة في المواطن الذي يحمل سلاحاً بلا ترخيص فقط، أم أن المشكلة الأكبر هي في السلاح الذي أصبح مرتبطاً بنفوذ سياسي أو إجتماعي أو جماعات تمتلك القدرة على تحدي مؤسسات الدولة؟

هنا نصل إلى أصل المشكلة.

العراق لا يحتاج إلى مزيد من اللجان بقدر ما يحتاج إلى قرار سياسي واضح، لا يمكن أن تكون هيبة الدولة موسمية، ولا يمكن أن يكون القانون قوياً على المواطن الضعيف، ومتردداً عندما يصطدم بمصالح الأقوياء، ولا يمكن أن نطلب من رجل الأمن أن يواجه السلاح الخارج عن القانون، بينما يبقى السؤال السياسي قائماً: من أين جاء هذا السلاح؟ومن سمح بإنتشاره؟ ومن وفر الغطاء لمن يحمله؟

والأخطر من ذلك أن ملف السلاح المنفلت لا ينفصل عن ملف الفساد، فالتجاوز على أملاك الدولة لا ينشأ دائماً من فراغ؛ أحياناً يبدأ بتجاوز صغير، ثم يتحول إلى بناء، ثم إلى حي، ثم إلى مصالح إقتصادية وإنتخابية، ثم إلى نفوذ إجتماعي، وفي النهاية يصبح التراجع عن التجاوز أكثر صعوبة من منعه في البداية.

ولهذا فإن السؤال للحكومة ليس فقط: لماذا أزيل التجاوز؟ بل: لماذا تُرك التجاوز أصلاً حتى أصبح أمراً واقعاً؟ وهل كانت أجهزة الدولة غائبة؟ أم أن هناك من كان يغض الطرف؟ أم أن بعض التجاوزات تحولت، عبر السنوات، إلى أوراق إنتخابية ومصالح سياسية وإجتماعية؟

لقد سبق أن شهدت مناطق في بغداد جدلاً واسعاً حول التجاوزات وقرارات الإزالة، بل صدرت في مراحل سابقة توجيهات بالتريث في إزالة بعض المباني المتجاوزة، الأمر الذي يكشف أن ملف التجاوزات نفسه ليس بسيطاً ويحتاج إلى معالجة قانونية وإجتماعية متوازنة، لكن معالجة المشكلة لا تكون بإبقاء التجاوزات، ولا بإرسال القوات الأمنية إلى مواجهة مجتمع محروم من البدائل.

وهنا يأتي السؤال الآخر: أين البديل السكني؟ إذا كان المواطن الفقير لا يستطيع شراء قطعة أرض، ولا يستطيع بناء بيت، فهل الحل أن نتركه يبني عشوائياً على أملاك الدولة؟ بالطبع لا.

لكن هل الحل أن نهدم منزله من دون أن نوفر له بديلاً؟ أيضاً لا.

العراق يحتاج إلى سياسة إسكان حقيقية، لا إلى معالجة أمنية فقط، نحتاج إلى مجمعات سكنية واطئة الكلفة، تتناسب مع دخل المواطن، وإلى تخطيط عمراني يستوعب الفئات محدودة الدخل، وإلى أراضٍ سكنية منظمة، وإلى قروض ميسرة، وإلى مشروع دولة يمنع نشوء العشوائيات بدلاً من إنتظارها سنوات ثم التعامل معها بإعتبارها ملفاً أمنياً، فالمشكلة ليست في البناء وحده، المشكلة في غياب التخطيط، ضعف الرقابة، الفساد، التجاوز، الفقر، والسلاح، عندما تتداخل كلها في مكان واحد.

أما دماء العميد الذي إستشهد اليوم، والمنتسب الذي إستشهد معه، وإصابات زملائهم، فهي ليست مجرد أرقام في بيان لوزارة الداخلية؛ إنها رسالة إلى الحكومة والبرلمان والقوى السياسية جميعاً: كم رجل أمن آخر يجب أن يسقط حتى نقتنع بأن هيبة الدولة لا تحتمل التأجيل؟وكم تجاوزاً يجب أن يتحول إلى مشكلة أمنية حتى نقتنع بأن الوقاية أرخص من المواجهة؟ وكم ملف فساد يجب أن يبقى مفتوحاً حتى نسأل بوضوح: من أستفاد من الفوضى؟

الحكومات السابقة تتحمل بالتأكيد جزءاً كبيراً من مسؤولية تراكم هذه الملفات، لكن الحكومة الحالية لا تستطيع أن تجعل من أخطاء السابقين ذريعة دائمة، فالحكومة لا ترث المناصب فقط، وإنما ترث الأزمات أيضاً.

والإختبار الحقيقي لأي حكومة ليس أن تقول: نحن لم نصنع المشكلة، الإختبار أن تقول: نعم، ورثنا المشكلة، لكننا سنضع حداً لها.

العراق اليوم بحاجة إلى ترتيب الأولويات:
♦️أولوية أولى: حصر السلاح بيد الدولة.
♦️أولوية ثانية: مكافحة الفساد الذي يحمي التجاوزات ويحول القانون إلى إستثناء.
♦️أولوية ثالثة: إصلاح ملف السكن والتخطيط العمراني.
♦️وأولوية رابعة وربما هي الأهم: إعادة الإعتبار للقانون بحيث يصبح واحداً على الجميع، عندها فقط نستطيع أن نقول إن الدولة بدأت تستعيد هيبتها.

أما أن يبقى الفساد يسرح ويمرح، ويبقى السلاح خارج السيطرة الكاملة للدولة، وتبقى التجاوزات تتوسع، ثم نطلب من رجل الأمن وحده أن يدفع الثمن، فهذه ليست دولة قوية، هذه دولة تدفع ثمن أخطائها من دماء أبنائها.

فهل تستطيع الحكومة الحالية أن ترمم ما أفسدته سنوات من المحاصصة والفساد والتراخي، أم أننا سنبقى ننتظر الحادثة القادمة، والضحية القادمة، والبيان القادم؟

السؤال برسم الحكومة، والإجابة لا تحتاج إلى بيان… بل إلى أفعال.

الكاتب والباحث بالشأن السياسي
أثير الشرع
٢٧ آب ٢٠٢٦