توضيح: جبيل صومعة الحوار.. وذكرى الإمام موسى الصدر..!
ناجي علي أمهز ||

كتبتُ بالأمس مقالاً بعنوان: «أيها المنظمون: الإمام الصدر في جبيل… في الوحدة أيضاً أصول وآداب»، عبّرتُ فيه عن ملاحظة صريحة حول الطريقة التي وصلت بها إليّ الدعوة للمناسبة المخصصة لإحياء ذكرى الإمام السيد موسى الصدر في جبيل.
ولم يكن في كلامي اعتراضٌ على الإمام الصدر، ولا على ذكراه، ولا على أن تحمل جبيل اسمه في مناسبة تستعيد رجلاً كان، في حياته، واحداً من أكثر الذين آمنوا بأن لبنان لا يُبنى بإلغاء الاختلاف، بل بتحويله إلى مساحة لقاء.
لقد كان اعتراضي على مبدأ أراه سابقاً لكل مناسبة؛ وهو أن احترام المكان وأهله، في حد ذاته، جزءٌ أصيل من احترام المناسبة وصاحبها.
واليوم، وصلتني الدعوة الرسمية، ووصلني معها توضيحٌ كريم من سماحة الشيخ الدكتور محمد أحمد حيدر، فرأيت أن من واجبي الأخلاقي أن أكتب اليوم أيضاً، بالوضوح ذاته الذي كتبت به بالأمس.
فالتوضيح الذي وصلني يبيّن أن موعد توزيع الدعوات الرسمية كان مقرراً اليوم، وأن انتشار صورة الدعوة بالأمس جاء نتيجة تداولها من قبل بعض الأصدقاء بحسن نية عبر “المجموعات”، الأمر الذي أحدث التباساً لدى الكثيرين.
وهنا، لا بد من كلمة حق؛ فالتوضيح حين يأتي صادقاً لا يُصغّر أحداً، بل يكون نابعاً من مسؤوليةٍ تُكبر صاحبها وترفع شأنه. وهذه هي بالضبط أخلاق الحوار التي نحتاجها في لبنان؛ أن نملك شجاعة الكلمة، وشجاعة المراجعة، وشجاعة أن نقول للآخر: “ربما أخطأنا في الفهم”، وأن نقول لأنفسنا: “ليس كل اختلافٍ خصومة، وليست كل ملاحظةٍ معركة”.
بناءً عليه، أقدّر للمنظمين تواصلهم، وللدكتور الشيخ محمد أحمد حيدر توضيحه، وأعتبر أن هذا التواصل أعاد الأمور إلى نصابها الطبيعي.
لذلك أقول اليوم ما قلته بالأمس، ولكن من الزاوية الأخرى: إن الوحدة لا تعني ألا نختلف، بل تعني أن نختلف دون أن نكسر الجسور. ولعل الإمام السيد موسى الصدر كان من أكثر اللبنانيين إدراكاً لهذه الحقيقة؛ فهو لم يقارب “الآخر” ليطلب منه التخلي عن هويته، ولم يبنِ علاقته بالمسيحيين على المجاملة أو استثمار المناسبات، بل دخل إليهم من باب الإنسان، ومن رحاب الوطن، ومن منطلق الإيمان بأن لبنان لا يستطيع أن يكون “لبناناً” إذا ظل كل لبناني أسيراً لجماعته.
وهنا تحديداً، تصبح جبيل أكثر من مجرد مكان لإحياء ذكرى؛ جبيل هي، في وجدانها اللبناني، صومعة الحوار. هي المدينة التي يرى فيها اللبناني صورة الوطن الذي ينشده: كنيسة تعانق مسجداً، وذاكرة مسيحية لا تتوجس من المسلم، وشيعي لا يرى في المسيحي غريباً عن وطنه.
لهذا، فإن حضور الإمام الصدر في جبيل ليس طارئاً على المكان، بل هو في صلب رسالته. وإذا كان الإمام قد حمل مشروع الحوار بين المسلمين والمسيحيين، فإن جبيل كانت، ولا تزال، من أكثر الساحات اللبنانية قدرة على تحويل هذا الحوار من “تنظير” إلى “نمط حياة”.
وفي جبيل أيضاً، ترك المطران غريغوار حداد أثراً عميقاً في الفكر الإنساني والاجتماعي، كما طبع المطران جورج خضر مسيرة الحوار ببسمته الفكرية والروحية. لقد كانت المدينة لرجال الكنيسة والفكر أكثر من مجرد “أبرشية”؛ كانت مختبراً يتفاعل فيه الإيمان مع الإنسان والوطن.
كما أن جبيل تحمل بركة “مار شربل”، وتفتح الطريق إلى “بكركي”، وكأن الجغرافيا ذاتها تنطق بأن طريق الحوار في لبنان لا يمر فوق الطوائف، بل من خلال التلاقي بينها. وليس غريباً أن يرى الإمام الصدر في هذا الخط الممتد من جبيل إلى بكركي مساحة ضرورية لكيان لبنان، وأن يلتف حول مشروعه رجال فكر وروح كالأب يواكيم مبارك، ممن أدركوا أن الحوار الحقيقي ليس مجرد تفاوض بين طائفتين، بل هو تلاقٍ بين ثقافتين وذاكرتين وضميرين لبنانيين.
لهذا كله، فإن ذكرى الإمام الصدر في جبيل تستحق النجاح؛ ليس لأن الإمام يحتاج إلى جبيل، ولا لأن جبيل تحتاج مناسبةً لتثبت عيشها المشترك، بل لأن اقتران اسم الإمام الصدر باسم جبيل يعيد للبنانيين شيئاً من “المعنى” الذي افتقدوه.
إن الحوار الذي لا يحتمل ملاحظة، لن يقوى على احتمال اختلاف في الرأي. أما الإمام الصدر، فربما كان سيقول لنا إن أعظم الانتصارات ليست في إثبات أننا على حق، بل في النجاح بإبقاء الباب مفتوحاً.
شكراً للمنظمين على التواصل والتوضيح والتبيين ومعالجة الموضوع، وشكراً لكل من ساهم في إزالة الالتباس. ويبقى للإمام موسى الصدر حقٌ علينا جميعاً: أن نحفظ ذكراه بالسلوك الذي يشبهه، لا بالخطب وحدها.
جبيل التي تستقبل الإمام موسى الصدر ليست مجرد مدينة تستضيف ذكرى؛ إنها مدينة تعيد للذكرى معناها اللبناني الأصيل. والسلام، حين يكون صادقاً، لا يحتاج إلى كثير من الشرح؛ يكفي أن نعرف من أين ندخل إلى بيوت بعضنا، وأن نترك الباب موارباً للمحبة.
وللحديث بقية..




