حين تُطفئ المولدات في بغداد.. من يحمي المواطن؟!
الكاتب والباحث بالشأن السياسي أثير الشرع

بين حق أصحاب المولدات ومسؤولية الحكومة.. المواطن هو الحلقة الأضعف، في العراق، لم تعد الكهرباء أزمة موسمية، ولم تعد المولدة الأهلية حلاً مؤقتاً لإنقطاع الكهرباء الوطنية، لقد أصبحت جزءاً من منظومة الطاقة نفسها، حتى بات المواطن العراقي يتساءل: ماذا سيحدث لنا إذا أطفأ أصحاب المولدات مولداتهم؟
اليوم، ومع التهديد والتلويح بإطفاء المولدات في بغداد إعتباراً من الأول من أيلول، تدخل أزمة الكهرباء مرحلة أكثر خطورة؛ لأن المواطن يعرف جيداً أن غياب الكهرباء الوطنية بالتزامن مع توقف المولدات يعني ببساطة: لا كهرباء.
وهنا السؤال ليس فقط: هل أصحاب المولدات على حق أم على باطل؟
السؤال الأكبر: كيف وصلت الدولة العراقية إلى مرحلة يصبح فيها صاحب المولدة قادراً على تهديد مدينة كاملة بإطفاء الكهرباء؟ الحكومة العراقية كانت قد إتخذت قرارات لدعم أصحاب المولدات، من بينها تخفيض سعر زيت الغاز إلى 200 دينار للتر بدلاً من 400 دينار، مع زيادة حصص الوقود المخصصة لهم، بل إن وزارة النفط أعلنت لاحقاً تجهيز حصة تموز من الوقود مجاناً بواقع 45 لتراً لكل KVA، مع التأكيد على تشغيل المولدات بما لا يقل عن 20 ساعة يومياً بالتناوب مع الكهرباء الوطنية.
إذن، إذا كانت الدولة تقدم دعماً في الوقود، فمن حقها في المقابل أن تطلب من أصحاب المولدات الإلتزام بالتسعيرة وساعات التشغيل وعدم تحميل المواطن تكاليف إضافية، وهذا ما أكده مجلس محافظة بغداد عندما شدد على ضرورة الإلتزام بالتسعيرة الرسمية، وحذر من الإجراءات القانونية بحق المخالفين.
لكن في المقابل، لا يمكن تجاهل أن صاحب المولدة لديه تكاليف حقيقية: وقود، صيانة، زيوت، أعطال، أجور تشغيل، وإندثار للمولدة، وبالتالي فإن أي قرار حكومي يحدد سعر الأمبير يجب أن يقوم على حساب إقتصادي شفاف، لا على قرار إداري فقط.
المشكلة إذن ليست في أن نضع المواطن في مواجهة صاحب المولدة، المشكلة أن الحكومة تركت الطرفين في مواجهة بعضهما، بينما بقي أصل المشكلة قائماً: ضعف المنظومة الوطنية للكهرباء، والأخطر من ذلك أن المواطن أصبح يدفع ثمن فشل المنظومة مرتين؛ يدفع للدولة من خلال ما يترتب عليه من تكاليف وضرائب وخدمات، ثم يدفع لصاحب المولدة للحصول على حق أساسي يفترض أن توفره الدولة، وهو الكهرباء.
أما أن يتحول الخلاف حول سعر لتر الكاز أو الضرائب إلى تهديد بإطفاء جميع المولدات، فهذه مسألة أخرى.
إذا كان أصحاب المولدات يرون أن كلفة التشغيل لا تتناسب مع التسعيرة الرسمية، فليقدموا أرقامهم إلى الحكومة، وإذا كانت الحكومة ترى أن أصحاب المولدات يحصلون على وقود مدعوم، فعليها أن تقدم للمواطن كشفاً واضحاً: كم يحصل صاحب المولدة من الدعم؟ وكم تبلغ كلفة إنتاج الأمبير؟ وكم هو هامش الربح الحقيقي؟
هنا فقط يمكن أن يعرف المواطن من هو صاحب الحق ومن هو المتجاوز.
أما أن يبقى الملف قائماً على البيانات والإتهامات والتهديدات، فالمواطن سيبقى الضحية، لقد وصلنا إلى مرحلة غريبة في بلد يمتلك ثاني أكبر إحتياطي نفطي تقريباً في المنطقة، ويصدر النفط بمليارات الدولارات، ثم يخشى مواطنوه من أن يطفئ صاحب مولدة صغيرة الكهرباء عنهم.
هذه ليست مشكلة مولدات فقط، هذه مشكلة دولة، وحكومة علي فالح الزيدي أمام إختبار حقيقي: هل تستطيع أن تمنع تحول المولدات إلى ورقة ضغط على المواطن، وفي الوقت نفسه تضمن لأصحابها حقوقهم المشروعة؟
المطلوب ليس كسر أصحاب المولدات، كما أنه ليس الإستسلام لشروطهم، المطلوب هو معادلة عادلة: وقود مدعوم مقابل تشغيل منتظم، تسعيرة عادلة مقابل خدمة حقيقية، ورقابة حكومية صارمة مقابل إحترام حقوق أصحاب المولدات.
أما أن يطفئ أصحاب المولدات في بغداد، وتجلس الحكومة أمام المشهد تنتظر الحل، فهذه ستكون رسالة أخطر من إنقطاع الكهرباء نفسه، لأن السؤال عندها لن يكون: متى تعود الكهرباء؟
بل سيكون: من الذي يدير الكهرباء في العراق (الدولة أم المولدات؟).
الكاتب والباحث بالشأن السياسي أثير الشرع




