السلام المتكافئ: الطريق الوحيد لاستقرار السعودية..!
محمد علي اللوزي ||
يبدو السلام المتكافئ هو الطريق الوحيد لاستقرار الجزيرة العربية ان المسألة بين اليمن والسعودية تاخذ اليوم منحى اخر، وان المنطقة تقف امام ممعادلة لا يمكن تجاهلها اما ان تصبح اليمن دولة قادرة على تخقيق التنمية والتقدم والرفاه، او ان يستمر اختلال المعادلة الى حد يجعل الصراع حول الثروة والفقر مفتوحا على احتمالات لا يمكن التكهن بمداها. قلا يمكن ان يستمر التعايش بين غنى فاحش فيجانب وفقر وحرمان في جانب اخر، وكأن الفارق الهائل بين مستوى المعيشة والفرص والتنمية امر لا علاقة له بالامن والاستقرار.
ان امن الشعودية الحقيقي لا يمكن ان يبنى على فقر اليمن، كما ان استقرارها لا يمكن ان يتحقق بمحاولة ابقاء اليمن ضعيفا او مرتتهنا. العكس هو الصحيح تماما. فكلما ارتفع مستوى التنمية في اليمن، وتحسن دخل الفرد، وتوفرت فرص العمل والتعليم والخدمات، اصبحت السعودية اكثر امنا واستقرارا. ولذلك فان المطلوب ليس مجرد هدنة او تفاهم سياسي مؤقت، بل مشروع تنموي حقيقي واسع لليمن، اشبه في طموحه بمشروع مارشال الذي ساهم في اعادة بناء اوروبا بعد الحرب العالمية الثانية.
لقد شهدت اليمن عشر سنوات غجاف، دفعت خلالها ثمنا باهظا لحرب قيل انها جاءت لاعادة الشرعية، لكن الحرب تفرعت عن اهدافها المعلنة الى صراعات ومصالح وحسابات متعددة، وبرزت خلالها الاطماع السعودية والاماراتية، وتداخلت مشاريع النفوذذ والسيطرة، وانتهى الامر بتحالف تتنازعه الخلافات والاتهامات المتبادلة، بعد ان انفقت عليه اموال طائلة ودفعت اليمن وشعبها كلفة هائلة من الدم والدمار.
ولم تحقق الحرب الهدف الذي اعلنت من اجله. بل حدث شيء اخر، اليمن التي كان يراد لها ان تنهار، راكمت خلال سنوات الحرب خبرة وثقة وقدرة على المواجهة، واستطاعت صنعاء ان تستنهض كثيرا من مقومات البقاء والصمود، وان تحول جزءا من الضغط الذي تعرضت له الى قوة دفع جعلتها رقما لا يمكن تجاهله في معادلات المنطقة.
وهنا يجب الاعتراف بحقيقة جديدة وهي ان اليمن اليوم ليست اليمن التي كانت قبل الحرب. لقد صارت قوة لا يستهان بها، وتمتلك قدرا متزايدا من الثقة والارادة والاستعداد للمواجهة، وهي عناصر قدتكون في بعض اللحظات اكثر تاثيرا من حجم الثروة والمال. فالقوة ليست اموالا فقط، وليست طائرات واساطيل فقط، بل هي ايضا ارادة وثقة بالنفس وقدرة على تحمل الكلفة والاصرار على انتزاع موقع في معادلة المنطقة.
و
هذه ربما هي المفارقة الاكبردول البترودولار تمتلك ثروات هائلة، لكنهها لا تمتلك بالضرورة ذلك القدر من الارادة الشعبية والقدرة على تحمل الصدمات الذي اظهرته اليمن خلال سنوات الحرب. واليمن، رغم فقرها ودمارها، راكمت من الثقة والارادة ما يجعل من الخطا التعامل معها باعتبارها دولة ضعيفة يمكن اخضاعها بالمال او القوة العسكرية وحدهما.
ان السعودية مطالبة اليوم بان تستيقظ من سباتها السياشي، وان تتخلى عن الغرور ووهم القوة المطلقة. فالقوة الحقيقية لا تكون في اخضاع الجار، ولا في ابقاء دولة كاملة في حالة فقر وحصار، بل في صناعة محيط مستقر ومزدهر. والسعودية التي تريد ان تنجح في مشاريعها الكبرى، وفي مقدمتها رؤيتها التنموية، لا تستطيع ان تتجاهل اليمن وهي الجار الجغرافي والتاريخي الذي يفصلها عنها امتداد بشري وجغرافي واقتصادي وامني عميق.
لقد اثبتت السنوات الماضية ان محاولة تركيع اليمن لم تنتج يمنيا مطيعا، بل انتجت يمنيا اكثر تشددا في الدفاع عن مضالحه، واكثر ثقة بقدرته على الصمود. وكلما استمر الضغط والفقر والهيمنة، اتسعت البيئة التي تنمو فيها قوى ترى ان لا شيء لديها لتخسره، وان المواجهة قد تكون اقل كلفة من استمرار حالة الحرمان.
ولهذا فان المسالة ليست دعوة الى حرب جديدة، ولا الى تحويل الفقر الى مبرر للصراع، بل هي تحذير من تجاهل جذور المشكلة. فالفقر حين يقترن بالاذلال وانعدام الامل يتحول الى وقود سياسي واجتماعي خطير. والتنمية وحدها هي القادرة على سحب هذا الوقود من تحت الصراعات.
اما الحديث عن ان اليمن قد تتحول الى منطلق لتحولات احتماعية وسياسية كبرى، فهو ليس بالضرورة حديثا عن ايديولوجيا ماركسية او عن مشروع طبقي بالمعنى التقليدي، بقدر ما هو تعبير عن حقيقة تاريخية بسيطة، الشعوب التي تعجز عن الحصول على الحد الادنى من مقومات الحياة تبحث عن وسائل اخرى لتغيير واقعها. وقد عبر عن هذه الحقيقة ماقاله الامام علي بن ابي طالب:(عجبت لمن لا يجد قوت يومه كيف لا يخرج على الناس شاهرا سيفه).
وفي المنطقة اليوم قوى صاعدة لا تقف عند الحواجز القديمة، ولا تبدو مستعدة للغودة الى قواعد اللعبة السابقة. وقد اتسعت خارطة الصراع وتداخلت المصالح، واصبح من الواضح ان معادلات النفوذ في الخليج واليمن لم تعد كما كانت قبل سنوات.
وفي هذا السياق يمكن فهم التناقضات داخل معسكر دول البترودولار، وما ظهر من اختلافات سعودية اماراتية في اليمن، باعتبارها جزءا من صراع المصالح والنفوذ والموانئ والجزر والممرات البحرية والمشاريع الاقتصادية. وقد سعت الامارات الى بناء نفوذ واسع في الجنوب والسواحل والجزر عبر حلفائها المخليين، فيما وجدت السعودية نفسها امام حرب طويلة ومكلفة لم تحقق اهدافها المعلنة. ومن الخطا اختزال كل ذلك في رواية واحدة او الجزم بان كل ما جرى كان مؤامرة واحدة متكاملة، لكن المؤكد ان المصالح المتباينة داخل التحالف ساهمت في تعقيد المشهد واطالة الحرب.
كما ان الحديث عن( نيوم) والمنافسة الاقتصادية الخليجية يحتاج الى قراءة اكثر دقة؛ فالتنافس بين المراكز الاقتصادية الخليجية حقيقي، لكن تفسير الحرب اليمنية كلها باعتبارها مجرد محاولة اماراتية لافشال نيوم ييبقى فرضية سياسية تحتاج الى ادلة مستقلة، ولا ينبغي تحويلها الى حقيقة قطعية.
ومع ذلك تبقى الحقيقة الاهملا يمكن للسعودية ان تؤمن حدودها ومستقبلها بمجرد القوة العسكرية، ولا يمكنها ان تبني استقرارا دائما في ظل يمن فقير ومدمر. فمشكلة الرياض ليست في ان يكون اليمن قويا ومزدهرا، بل في ان يبقى اليمن فقيرا ومضطربا ومشحونا بالمرارة.
اليمن بلد عظيم، يمتلك موقعا استراتيجيا وثروة بشرية وتاريخا عريقا وموارد وطاقات كبيرة، ولديه ممكنات تحول ضخمة لم تجد طريقها بعد الى الواقع. واذا لم تتحول هذه الممكنات الى تنمية وفرص وعمران واقتصاد منتج، فانها ستظل تبحث عن مسارات اخرى للتعبير عن نفسها.
ولهذا فان السعودية امام خيارين: اما ان تساعد في صناعة يمن قوي ومستقر ومزدهر، وتدرك ان نهضة اليمن ستكون في النهاية ضمانة لامنها واستقرارها، او تستمر في سياسة الهيمنة والضغط وتراهن على بقاء اليمن ضعيفا، وهي سياسة قد تنتج في النهاية عكس ما تريده تماما.
فاليمن لم تعد تلك الدولة التي يمكن تحاهلها او التعامل معها بمنطق الوصاية. لقد صارت قوة لا يستهان بها، واصبح لديها من الثقة والارادة ما يكفي لفرض نفسها في معادلات المنطقة. وقد تكون لدى اليمن نقاط ضعف كثيرة، لكن لديها ايضا ما لا يمكن شراؤه بالمال: الارادة والاصرار والثقة بالقدرة على الصمودوالايمان يالله وولديها فيادة ثورية على قدر كبير من المسئولية والوعي بممكنات التحولات التاريخية وعلاقة راسخة بينها كقيادة ثورية ممثلة بقائد الثورة ااسيد عبد الملك بدر الدين الحوثي والجماهير العريضة التي لاتكل ولاتتوانى من مزاصلة الجهاد.
وعلى السعودية ان تدرك ان الاستهانة بهذه الحقيقة قد تقودها يوما الى عض اصابع الندم. فالدول والممالك ليست خالدة، والقوة التي لا تحسن ادارة محيطها قد تتحول الى عبء عليها. وما لم تستيقظ الرياض من وهم القوة المطلقة، وتتخلى عن الغرور والهيمنة، فقد تجد نفسها امام تحولات اقليمية طبرى لا تستطيع التحكم في مساراتها، وحينها قد يصبح السؤال ليس كيف تحافظ على نفوذها، بل كيف تمنع نفسها من ان تصبح مجرد صفحة في كتاب التاريخ عن ممالك سادت ثم بادت.
اما اليمن، فان السلام الذي يحفظ كرامتها وسيادتها وتنميتها هو الخيار الافضل. لكن السلام الحقيقي لا يعني استراحة محارب قبل جولة اخرى، بل يعني معالجة الاسباب التي صنعت الصراع، وفي مقدمتها الفقر والاختلال التنموي والهيمنة الخارجية. فاذا ارادت الرياض امنا دائما، فعليها ان تساعد على صناعة يمن مزدهر، لا يمن جائع. واذا ارادت المنطقة استقرارا حقيقيا، فلا بد من تصحيح المعادلة المختلة: تنمية لليمن، واحترام لسيادتها، وتعايش متكافئ بين الجارين.
تلك ليست امنية عاطفية، بل حقيقة جغرافية وسياسية: امن السعودية من امن اليمن، ونهضة اليمن يمكن ان تكون واحدة من اكبر ضمانات استقرار الجزيرة العربية كلها.




