حين تتوالى الأزمات..!
طه حسن الأركوازي ||

طه حسن
ما إن تمر أزمة حتى تأتي الأخُرى فمرة أزمة كهرباء ، وأخرى أزمة ماء ، وثالثة أزمة غاز ، واليوم طوابير وقود ، وبينها أزمة رواتب وشحّ في السيولة ، وهنا لم يعد السؤال مُتعلقاً بأزمة مُنفردة ، بل بمنظومة أزمات تتوالى وتضغط على المواطن والدولة معاً ، فهل نحن أمام أزمات عابرة تفرضها الظروف ، أم أمام خلل أعمق في إدارة الدولة والاقتصاد .؟
فمنذُ تسلّم رئيس الوزراء “علي الزيدي” مهامه في أيار 2026 ، أتجهت الحكومة إلى فتح ملفات الفساد وتشديد الرقابة على المنافذ والسعي إلى فرض هيبة الدولة وحصر السلاح بالمُؤسسات الرسمية ، وهذه الملفات بطبيعتها تصطدم بمصالح مُتراكمة وشبكات نفوذ تشكلت خلال سنوات طويلة ، لكن ذلك لا يعني أن كُل أزمة لاحقة هي بالضرورة نتيجة فعل مُتعمد ، فبعض الأزمات لها أسباب فنية وأقتصادية وإدارية حقيقية ، غير أن تزامنها وتكرارها يكشفان هشاشة منظومة الإدارة العامة وقدرتها المحدودة على امتصاص الصدمات .
أزمة الوقود الأخيرة مثال واضح ، طوابير طويلة أمام محطات التعبئة ، ساعات من الانتظار ، ومحطات مغلقة أو محدودة التجهيز ، فيما تُؤكد الجهات الرسمية أن ما يحدث أختناق مُؤقت وليس أزمة حقيقية ، لكن المواطن لا يعيش الأزمة من خلال البيانات ، وإنما من خلال سيارته التي تنتظر ، ووقته الذي يضيع في الأنتطار ، وحركة المرور التي تتعطل ، فإذا كان المُواطن يقف ساعات للحصول على الوقود ، فُهناك خلل حقيقي في منظومة التجهيز مهما أختلفت تسميته .
والمشكلة لا تبدأ من محطة الوقود وحدها .
فجزء من المحطات الحكومية يعاني تقادم المُعدات ، وضعف الصيانة ، فيما لم يواكب نمو أعداد المركبات توسع مُماثل في شبكة التوزيع .
وبعد أكثر من عقدين ، يبقى السؤال مشروعاً هو لماذا لم تُبنَ منظومة حديثة قادرة على تأمين أحتياجات بلد نفطي بهذا الحجم من دون أن يتحول الوقود إلى طوابير موسمية .؟
ثم تأتي أزمة الرواتب والسيولة لتكشف الوجه الأخطر للمُشكلة ، عندما تصل الالتزامات الشهرية للرواتب والتقاعد إلى قُرابت ال 8 تريليون دينار ، وتتأخر المُستحقات في بعض الفترات لأسابيع طويلة ، فإن القضية لا تعود مُجرد تأخير إداري ، بل تصبح مُؤشراً على أختلال العلاقة بين الإيرادات والنفقات ، فالاعتماد على إدارة الصرف المُؤقتة ، وغياب موازنة واضحة ، وضغط الإنفاق الجاري ، وتراكم الدين الداخلي والخارجي ، كُلها عوامل تُضيق هامش الحركة المالية وتزيد أعتماد الدولة على الاقتراض والتمويل الداخلي .
وهنا تظهر المُفارقة الكُبرى ، دولة تمتلك موارد نفطية هائلة ، لكنها تجد نفسها مُضطرة إلى إدارة السيولة شهراً بعد آخر ، والمشكلة ليست في الرواتب بحد ذاتها ، وإنما في أقتصاد يعتمد بدرجة كبيرة على الإيرادات النفطية ، بينما بقيت الإيرادات غير النفطية والقطاعات الإنتاجية والاستثمارية دون المستوى الذي يتيح للدولة بناء أستقرار مالي مُستدام .
والأخطر أن تكرار الأزمات قد يحوّل المواطن إلى رهينة للخلل الإداري ، ينتظر الكهرباء ، ويبحث عن الماء والوقود ، ويترقب راتبه ، ثم يُطلب منه أن يثق بأن كُل شيء تحت السيطرة .؟
الثقة لا تُبنى بالتصريحات ، ولا بالوعود ، وإنما بأنتظام الخدمة ، ووضوح البيانات ، وقُدرة المُؤسسات على الوفاء بالتزاماتها .
هناك دول كثيرة مرّت بحروب وأنهيارات وأزمات قاسية ، لكنها أستطاعت النهوض من تحت الركُام ، ببساطة لأنها أمتلكت قيادات تمتلك حُب الوطن والرؤية والقرار والحكمة والاستراتيجية ، وجعلت إعادة بناء الدولة مشروعاً وطنياً لا مُعالجة مُؤقتة.
أما العراق ، فلا تنقصه الموارد ولا الكفاءات والخبرات ، وإنما يُعاني من تقييد القرار وتعطيل الطاقات وإبعاد الكفاءات عن مواقع المسؤولية ، بما يجعل الدولة عاجزة عن تحويل إمكاناتها الكبيرة إلى حلول حقيقية ، فالمُشكلة ليست في قلة ما نملك ، بل في كيفية إدارة ما نملك ، ومن يملك قرار إدارته .؟
أخيراً وليس آخراً … العراق لا يحتاج إلى إدارة الأزمات بعد وقوعها ، بل إلى الانتقال من “إدارة الأزمة إلى إدارة الدولة” ، وهذا يتطلب إصلاحاً مالياً يربط الإنفاق بالإيرادات ، وضبط النفقات غير المُنتجة ، وتنويع مصادر الدخل ، وتحديث قطاعات الطاقة والمصافي وشبكات النقل والتوزيع ، وإعادة تأهيل المحطات الحكومية ، وبناء منظومة رقابة رقمية تمنع التلاعب في الوقود والمنافذ والإنفاق العام ، كما أن على الحكومة أن تفصل بين مُكافحة الفساد وإدارة الخدمات فتح الملفات يجب أن يستمر ، لكن بالتوازي مع حماية مُؤسسات الدولة من التعطيل ، وتوفير خطط طوارئ تمنع تحول أي أختناق إداري أو أقتصادي إلى أزمة عامة .
أما الطبقة السياسية فعليها أن تُدرك أن حماية الدولة أهم من حماية المصالح ، وأن الإصلاح الحقيقي لا يُقاس بعدد الملفات المفتوحة ، بل بقُدرة الدولة على دفع رواتب موظفيها في موعدها ، وتوفير الكهرباء والماء والوقود ، وحماية المال العام ، وتحريك الاقتصاد ، فالأزمة الحقيقية ليست طابوراً أمام محطة وقود ، ولا تأخر راتب ، ولا انقطاع كهرباء منفرداً ، الأزمة الحقيقية أن تتحول هذه المشاهد إلى نمط حياة دائم في دولة تمتلك من الموارد ما يكفي لبناء مستقبل مُختلف ، وحين تتكرر الأزمات ، لايكفي أن نسأل من تسبب بها ، بل يجب أن نسأل السؤال الأهم هو لماذا أصبحت الدولة قابلة لإنتاج الأزمة من جديد …!




