حين يصمت الشارع ويتقدم حيدر..!
حسن عبد الهادي زاير العگيلي ||
كاتب ومتخصص في التخطيط الاستراتيجي

حادثة شارع التانكي في مواجهة نخوة العراقيين التي لم تمت..!
ليست حادثة التحرش التي شهدها شارع التانكي في منطقة المنصور مجرد واقعة جنائية عابرة تنتهي بإلقاء القبض على مرتكبيها، ثم تُغلق صفحتها في سجلات الحوادث اليومية.
بعض الحوادث أكبر من تفاصيلها لأنها تكشف لنا شيئاً عن المجتمع، وعن مستوى الردع الأخلاقي والاجتماعي، وعن العلاقة بين المواطن والدولة، وعن القيم التي يفترض أن تحكم سلوكنا في الأماكن العامة.
والسؤال الذي ينبغي أن نطرحه هنا لا يقتصر على:كيف تجرأ المعتدون على التحرش بامرأة في شارع عام؟
بل السؤال الأكثر عمقاً وإيلاماً هو:
كيف وصلنا إلى لحظة يشعر فيها المعتدي أنه قادر على تجاوز حدود الآخرين في الشارع، بينما يتحول المحيطون به إلى متفرجين ينتظرون أن تتدخل الدولة بعد وقوع الفعل؟
هذه ليست مسألة أمنية فقط، ولا قضية أخلاقية منفردة، وإنما هي مسألة تتصل بجوهر العقد الاجتماعي الذي يجعل الإنسان يشعر أن الشارع الذي يسير فيه ليس مكاناً محايداً، بل فضاءً تحكمه قواعد واضحة، ويحميه القانون، ويراقبه المجتمع.
فالتحرش أياً كانت صورته، ليس مجرد سلوك غير لائق إنه اعتداء على كرامة الإنسان، وانتهاك للحق في الأمان وتجاوز لحدود الآخر، وإشارة خطرة حين يحدث في مكان عام وبصورة تجعل المعتدي يعتقد أن بإمكانه الإفلات من الردع.
لكن، وفي خضم هذه الصورة المؤلمة، ظهر مشهد آخر يستحق أن نتوقف عنده طويلاً.
إنه حيدر ابن الأنبار.
ذلك الشاب الذي لم يقف متفرجاً عندما رأى امرأة تتعرض للتحرش، بل تقدم لمواجهة المعتدي رغم أن الأخير كان مسلحاً مدركاً أن تدخله قد يضعه أمام خطر حقيقي.
وهنا تبدأ القصة الأهم.
فإذا كان شارع التانكي قد كشف لنا جانباً من الخلل، فإن موقف حيدر كشف لنا في الوقت نفسه أن النخوة العراقية لم تمت، وأن الشهامة لم تختفِ، وأن الخير ما زال حاضراً في هذا المجتمع، لكنه يحتاج إلى من يحميه ويسنده.
مشهدان… ووجه واحد للعراق
قد يبدو للوهلة الأولى أن حادثة شارع التانكي وموقف حيدر يمثلان صورتين متناقضتين.
في الأولى اعتداء يحدث في مكان عام وفي الثانية، شاب يقرر أن يتدخل للدفاع عن امرأة.
لكن الحقيقة أن المشهدين معاً يقدمان صورة أكثر دقة عن المجتمع العراقي.
هناك سلوكيات خطرة بدأت تظهر في بعض البيئات، وهناك ضعف في بعض صور الردع الاجتماعي، وهناك ثقافة متفرجة تتعامل أحياناً مع الحوادث باعتبارها مادة للتصوير أو المشاهدة بدلاً من اعتبارها مسؤولية أخلاقية.
لكن في المقابل، هناك أيضاً عراقيون ما زالوا يؤمنون بأن للشارع حرمة، وأن للمرأة كرامة، وأن الضعيف يحتاج إلى من يقف إلى جانبه، وأن السكوت أمام الظلم ليس دائماً موقفاً محايداً.
وهنا يأتي حيدر.
حيدر ليس مهماً فقط لأنه واجه موقفاً خطراً، وإنما لأنه أعاد إلى النقاش قيمة كنا نخشى أن تكون قد تراجعت: قيمة النخوة.
لقد أثبت أن الخير لم يغادر المجتمع العراقي، وأن صورة المجتمع لا يمكن أن تُرسم فقط من خلال نماذج الانحراف والجريمة.
ففي اللحظة التي يظهر فيها سلوك منحرف، قد يظهر إلى جانبه سلوك نبيل.
وفي اللحظة التي يصمت فيها البعض، قد يتقدم شخص واحد.
وفي اللحظة التي يبدو فيها الشارع عاجزاً، قد يظهر إنسان يقرر أن يقول: لا. هذا غير مقبول.
حيدر ليس بطلاً لأنه خاطر فقط
من المهم هنا ألا نفهم موقف حيدر بطريقة خاطئة.
فالشجاعة ليست أن يبحث الإنسان عن الخطر، ولا أن يضع نفسه في مواجهة مسلح لمجرد إثبات البطولة.
وليس من الحكمة أن نطلب من المواطنين أن يتحولوا إلى قوة أمنية موازية للدولة.
الدولة هي المسؤولة عن حماية الناس، والقانون هو الذي يجب أن يواجه الجريمة، والأجهزة الأمنية هي التي تمتلك أدوات الردع والتنفيذ.
لكن قيمة موقف حيدر تكمن في شيء آخر:
أنه رفض أن يعتبر الاعتداء على امرأة شأناً لا يعنيه.
وهذه الفكرة بالذات هي التي يجب أن نحافظ عليها.
أن يشعر المواطن بأن ما يحدث أمامه يعنيه.
أن يدرك أن المجتمع ليس مجموعة أفراد يعيش كل واحد منهم داخل جزيرة منفصلة.
أن يفهم أن الاعتداء على كرامة إنسان في الشارع ليس مشكلة الضحية وحدها.
إنها مشكلة المجتمع كله.
من النخوة الفردية إلى المسؤولية المجتمعية
العراق يمتلك إرثاً اجتماعياً عميقاً من قيم النخوة والشهامة والغيرة وحماية الجار والضيف والغريب وإغاثة المظلوم.
ولسنوات طويلة، كانت هذه القيم تمثل خط دفاع اجتماعي مهم قبل وصول أجهزة الدولة إلى مكان الحادث.
لكن المجتمع الحديث لا يستطيع أن يعتمد على النخوة الفردية وحدها.
فالنخوة تحتاج إلى قانون.
والشجاعة تحتاج إلى حماية.
والمبادرة تحتاج إلى مؤسسات.
والمواطن الذي يتدخل لحماية شخص آخر يجب ألا يشعر أنه أصبح وحيداً أمام المعتدي أو أمام تبعات تدخله.
وهنا ينبغي أن نعيد صياغة مفهوم النخوة في زمن الدولة الحديثة.
النخوة اليوم ليست بالضرورة أن تدخل في عراك مع المعتدي.
قد تكون أن تتصل بالقوات الأمنية فوراً.
وقد تكون أن تساعد الضحية على الابتعاد عن مكان الخطر.
وقد تكون أن تمنع الآخرين من التصوير والاستهزاء.
وقد تكون أن تقدم شهادتك للجهات المختصة.
وقد تكون أن تقف إلى جانب الضحية بعد الحادثة.
وقد تكون ببساطة أن ترفض أن تتحول الجريمة إلى مشهد يتفرج عليه الناس.
بهذه الطريقة تتحول النخوة من رد فعل فردي قد يعرّض صاحبه للخطر إلى ثقافة مجتمعية واعية ومساندة للقانون.
المشكلة ليست في غياب الخير
ربما يكون من السهل بعد حادثة مؤلمة أن نقول:
لقد تغير المجتمع .
أو:
لقد ماتت النخوة.
أو:
لم يعد أحد يهتم بأحد.
لكن هذه الأحكام المطلقة لا تنصف المجتمع العراقي.
فالخير لا يزال موجوداً.
والشهامة لا تزال موجودة.
والنخوة لا تزال موجودة.
لكنها تواجه تحديات حقيقية، من بينها انتشار ثقافة اللامبالاة، وضعف الثقة أحياناً بفاعلية التدخل، والخوف من الدخول في مشكلات، وتأثير بعض أنماط السلوك التي تنتشر عبر وسائل التواصل الاجتماعي، فضلاً عن ضعف التربية الاجتماعية على المسؤولية العامة.
وهذا يعني أن المطلوب ليس أن نعلن وفاة القيم، وإنما أن نعيد بناء البيئة التي تجعل هذه القيم أقوى من السلوكيات المنحرفة.
فالمجتمع الذي يمتلك الخير لكنه لا يحميه، قد يسمح للشر بأن يبدو أكثر حضوراً مما هو عليه في الواقع.
السجن وحده لا يكفي
لا يمكن بأي حال من الأحوال التساهل مع التحرش أو تبريره أو التقليل من خطورته.
من يرتكب اعتداءً يجب أن يتحمل مسؤوليته القانونية كاملة، لأن القانون يفقد قيمته إذا لم يحمِ الناس من السلوكيات التي تهدد أمنهم وكرامتهم.
لكن العقوبة وحدها ليست استراتيجية متكاملة.
السجن يعاقب من ارتكب الجريمة، لكنه لا يمنع بالضرورة ولادة السلوك المنحرف من جديد.
ولهذا فإن مواجهة التحرش تحتاج إلى منظومة أوسع تشمل:
الردع القانوني، والتوعية الأسرية، والتربية المدرسية، والتثقيف الجامعي، والإعلام المسؤول، والاستجابة الأمنية السريعة، وحماية الضحايا، وتعزيز ثقافة الشهادة والإبلاغ، ومواجهة ثقافة تبرير المعتدي أو لوم الضحية.
فالأمن الحقيقي ليس أن نصل إلى الجاني بعد وقوع الجريمة فقط.
الأمن الحقيقي هو أن يشعر الجاني قبل ارتكابها أن هناك قانوناً ومجتمعاً ومؤسسات ستقف في وجهه.
الشارع الآمن لا تصنعه الشرطة وحدها
وجود القوات الأمنية في الشوارع ضرورة، لكنه ليس كافياً.
فالشرطة لا تستطيع أن تكون في كل زاوية، ولا تستطيع أن تراقب كل موقف، ولا يمكن أن يتحول الأمن إلى علاقة بين مواطن ينتظر والمعتدي يختبر حدود غياب الدولة.
هناك دور للمواطن.
وهناك دور للأسرة.
وهناك دور للمدرسة والجامعة.
وهناك دور للإعلام.
وهناك دور للمؤسسات الدينية والاجتماعية.
وهناك دور لمنظمات المجتمع المدني.
والأهم من ذلك كله أن هناك مسؤولية مشتركة في إعادة بناء فكرة «المساحة العامة الآمنة».
فالشارع ليس ملكاً للأقوى.
ولا يحق لأحد أن يفرض سلوكه على الآخرين.
ولا يجوز أن تتحول المرأة أو الطفل أو المسن أو أي إنسان ضعيف إلى هدف سهل لممارسة القوة أو الإهانة.
حين يصمت الشارع ويتقدم حيدر
ربما تكمن رمزية حيدر في أنه ظهر في اللحظة التي كان يمكن أن يختار فيها أسهل موقف: أن ينظر، ثم يمضي.
لكنه لم يفعل.
وهذه هي الرسالة التي يجب ألا تضيع وسط تفاصيل الحادثة.
لا نريد من العراقيين أن يواجهوا المسلحين بأيديهم.
ولا نريد أن تتحول النخوة إلى تهور.
ولا نريد أن يصبح المواطن بديلاً عن الدولة.
لكننا في الوقت نفسه لا نريد مجتمعاً يتعلم فيه الناس أن أفضل طريقة للتعامل مع الخطأ هي إدارة الظهر.
نريد مواطناً يعرف متى يتدخل، وكيف يتدخل، ومتى يطلب المساعدة، وكيف يحمي الضحية دون أن يحول نفسه إلى ضحية أخرى.
وهذا هو الفرق بين الشجاعة الواعية والمغامرة غير المحسوبة.
لا تجعلوا حيدر حالة استثنائية
من السهل أن نحتفي بحيدر، ونكتب عنه، ونصفه بالشجاع، ثم تنتهي القصة.
لكن السؤال الأهم هو:
كيف نجعل القيمة التي جسدها حيدر جزءاً من ثقافة المجتمع؟
كيف نجعل الوقوف مع المظلوم سلوكاً طبيعياً؟
كيف نعيد للشارع هيبته الأخلاقية؟
كيف نجعل المعتدي يشعر أن المجتمع لن يتركه يتحرك بحرية؟
كيف نضمن أن المواطن الذي يتصرف بمسؤولية يجد القانون إلى جانبه؟
هذه الأسئلة أهم من الاحتفاء بشخص واحد.
فحيدر ينبغي ألا يكون بطلاً منفرداً.
بل ينبغي أن يكون دليلاً على أن في المجتمع طاقة أخلاقية يمكن استثمارها.
بين شارع التانكي وحيدر… لا نختار اليأس
علينا ألا نختار بين صورتين متطرفتين:
صورة تقول إن العراق فقد قيمه بالكامل.
وصورة أخرى تقول إن كل شيء على ما يرام.
الحقيقة أكثر تعقيداً.
هناك انحدار في بعض السلوكيات يجب الاعتراف به ومواجهته.
وهناك في الوقت نفسه قيم أصيلة ما زالت حاضرة ويجب تعزيزها.
هناك من يعتدي.
وهناك من يدافع.
هناك من يتفرج.
وهناك من يتقدم.
وهنا تحديداً تقع مسؤولية الدولة والمجتمع معاً: أن نجعل كفة الخير أقوى، وأن نجعل كلفة الجريمة أعلى، وأن نجعل الوقوف مع الحق أكثر أماناً من الصمت أمام الباطل.
العراق الذي نريده
العراق الذي نريده ليس عراقاً يخاف فيه المواطن من الشارع.
ولا عراقاً تضطر فيه امرأة إلى الخوف من المرور في مكان عام.
ولا عراقاً يصبح فيه الشخص الذي يحاول حماية الآخرين وحيداً في مواجهة الخطر.
نريد عراقاً يكون فيه القانون حاضراً قبل الجريمة، والمجتمع حاضراً قبل أن تتفاقم المشكلة، والقيم حاضرة في سلوك الناس قبل أن نحتاج إلى استدعائها في الخطب والمناسبات.
نريد عراقاً لا تكون فيه النخوة مجرد قصة من الماضي.
ولا تكون فيه الشهامة مجرد منشور على مواقع التواصل الاجتماعي.
ولا تكون فيه الغيرة مجرد شعار.
بل تكون سلوكاً يومياً مسؤولاً، يحمي الإنسان ويحترم القانون ويقف إلى جانب المظلوم.
الخاتمة: النخوة لم تمت
إن حادثة شارع التانكي مؤلمة، ولا ينبغي التقليل من خطورتها.
لكنها في الوقت نفسه فرصة لكي نسأل أنفسنا بصدق: أي مجتمع نريد أن نكون؟
مجتمعاً يكتفي بالتصوير والتعليق بعد وقوع الجريمة؟
أم مجتمعاً يتحرك لمنعها؟
مجتمعاً يترك الشجاع وحيداً؟
أم مجتمعاً يسنده؟
مجتمعاً يحمّل الضحية مسؤولية ما تعرضت له؟
أم مجتمعاً يحمي كرامتها ويحاسب المعتدي؟
هنا يصبح حيدر ابن الأنبار أكثر من مجرد شاب تصرف بشجاعة في موقف عابر.
إنه تذكير بأن العراق الذي نخشاه ليس هو العراق كله.
ففي مقابل المعتدي هناك من يرفض الاعتداء.
وفي مقابل المتفرج هناك من يتقدم.
وفي مقابل الانحدار هناك قيم لم تمت.
لكن هذه القيم تحتاج إلى حماية.
حماية من الدولة بالقانون، وحماية من المجتمع بالوعي، وحماية من الأسرة بالتربية، وحماية من المواطن بالموقف المسؤول.
لذلك، ربما لا تكون الرسالة الصحيحة بعد حادثة شارع التانكي هي أن نقول:
لقد ماتت نخوة العراقيين
بل الرسالة الأصدق هي:
نخوة العراقيين ما زالت حية… لكنها تحتاج إلى أن نقف جميعاً إلى جانبها
وحينها لن يكون السؤال:
أين كان حيدر؟
بل سيكون السؤال:
كيف نجعل موقف حيدر ثقافة مجتمع؟
فالعراق لا يحتاج إلى أبطال منفردين يواجهون الخطر وحدهم.
العراق يحتاج إلى مجتمع لا يصمت أمام الخطأ، ودولة تحمي من يتقدم، وقانون يجعل المعتدي يعرف أن الشارع ليس ساحة مفتوحة لمن يظن أنه الأقوى.
حينها فقط، لن يكون حيدر استثناءً… بل سيكون جزءاً من عراقٍ تستعيد فيه النخوة مكانها الطبيعي.



