” إياكم وطريق التنمية ” رسالة سعودية للعراق ترجمت بضربة غادرة على مقرات الحشد الشعبي..!
فراس علي الهاشمي ||

حقيقة الممرات والبارود: لماذا يخشى الإقليم «طريق التنمية» العراقي؟
في عالم التجارة والاقتصاد القاري، تُعدّ الجغرافيا حقيقة صلبة عصية على التزييف. ومهما أُحيطت الخطط ببروباغندا مكثفة أو استعراضات سياسية، فإن المنطق اللوجستي الحاكم لسلاسل التوريد يتلخص في معادلة بسيطة لا تتغير: أقصر الطرق، وأقلها تكلفة، وأكثرها سلاسة.
هنا تحديداً تكمن أزمة المشاريع والممرات البديلة التي يُروج لها إقليمياً؛ إذ يقف «طريق التنمية» العراقي كعقدة استراتيجية تصعب منافستها هندسياً وجغرافياً.
حتمية الجغرافيا: حقيقة الأرقام والمسافات
يمثل المسار العراقي أقصر خط بري وسككي يربط المياه الدافئة في الخليج العربي بقلب القارة الأوروبية. مسافة لا تتجاوز 1200 كيلومتر داخل الأراضي العراقية، تبدأ من ميناء الفاو الكبير لتصل إلى البوابة التركية عبر دولة ترانزيت واحدة فقط.
في المقابل، تبدو المسارات البديلة المروّج لها—كالمسار السككي العابر للشام أو ممر (IMEC)—أشبه بكابوس لوجستي:
عقبة المسافة والتكلفة: مسارات تمتد لآلاف الكيلومترات، مما يعني استهلاكاً طردياً للوقود، وارتفاع تكاليف التشغيل والصيانة، وضياع الميزة المحورية للنقل البري وهي السرعة.
بيروقراطية الحدود المتعددة: إن عبور الشحنة الواحدة عبر أربع أو خمس دول (عُمان، السعودية، الأردن، سوريا، تركيا) يعني الخضوع لخمسة إجراءات جمركية، وخمسة أنظمة مناولة، وخمس رسوم ترانزيت مستقطعة. هذه التكلفة التراكمية تجعل تلك المسارات غير مجدية اقتصادياً مقارنة بالنقل البحري عبر قناة السويس، التي تظل الحاكم الأول لحركة التجارة الضخمة.
البعد الجيواقتصادي: الصراع على العوائد والنفوذ
لا يُقاس نجاح «طريق التنمية» بالعوائد المباشرة للعراق فحسب—والتي تُقدر بنحو 4.85 مليارات دولار سنوياً من رسوم المرور وخدمات الفاو—بل بقيمته المضافة التي تفتح الباب لاستثمارات تتجاوز 100 مليار دولار في الشريط الصناعي واللوجستي، وتوفر مئات الآلاف من فرص العمل.
هذا التحول البنيوي يفرض على الجوار الإقليمي، وتحديداً السعودية، ضغوطاً وتحديات استراتيجية جادة:
الخسارة الفرصية (Opportunity Cost): كانت الرياض تسعى لعقدة الربط القاري عبر “رؤية 2030” والجسر البري. نجاح العراق يسحب عوائد الترانزيت والخدمات اللوجستية لصالح الخزينة العراقية.
كسر الاحتكار اللوجستي: تحوّل ميناء الفاو إلى مركز تفريغ وتجميع رئيسي (Hub) يقلل اعتماد خطوط الشحن على موانئ الخليج الأخرى كـ (الدمام والجبيل)، ويسحب ورقة النفوذ الاقتصادي والتحكم بسلاسل التوريد من أيدي التكتلات الإقليمية.
البارود والرسائل المباشرة: ضرب الأمان لتعطيل الجغرافيا
أمام عجز الأرقام والجغرافيا عن خدمة البدائل الإقليمية، تُستحضر الأدوات العسكرية والأمنية لإخلال المعادلة. إن القصف والتصعيد المباشر ضد البنى الأمنية العراقية الرسمية، والذي راح ضحيته شهداء وجرحى من منتسبي الحشد الشعبي والقوات المسلحة، لا يمكن قراءته بمعزل عن صراع الممرات.
إن استهداف المؤسسات الأمنية العراقية يسعى لنفي الشرط الأول والأساسي لأي ممر تجاري عالمي: الاستقرار والأمان.
الهدف هنا ليس ملفاً أمنياً تكتيكياً، بل البعث بركّام من الرسائل الردعية لرأس المال الأجنبي وشركات الشحن الدولية لإشاعة بيئة من المخاطر حول المسار العراقي، وبالتالي إظهاره كمنطقة غير آمنة للاستثمار طويل الأجل، وتفريغ الميزة التنافسية للعراق لصالح البدائل الأطول والأكثر تكلفة.
الخلاصة
إن الصراع الدائر اليوم ليس مجرد منافسة في قطاع النقل، بل هو صراع حول استقلال العراق الاقتصادي وخروجه من عباءة الاقتصاد الريعي. ومهما تنوعت وسائل الضغط السياسي أو الاستهدافات الميدانية لزعزعة البيئة الأمنية، تظل الجغرافيا قانوناً حاسماً لا يُلغى بالبارود: التجارة العالمية تبحث دائماً عن المسار الأقصر والأجدى، وهو ما يملكه العراق دون غيره.




