الاثنين - 14 سبتمبر 2026

الحسين… حبٌّ لا تُطفئه الحروب ولا تهزمه المصائب..!

منذ شهر واحد
الاثنين - 14 سبتمبر 2026

ريما فارس ||

 

 

 

ما هذا الحب الذي يسكن القلوب فلا تهزّه المصائب، ولا تطفئه النيران، ولا تمنعه المسافات، ولا تجعل التهديدات أصحابه يتراجعون؟

ما هذا السرّ الذي يجعل شاباً يحمل في قلبه الحسين، فيتحول الخوف عنده إلى شجاعة، والتعب إلى صبر، والخسارة إلى ثبات، والمصيبة إلى طريقٍ نحو العطاء؟

إنه الحسين.

ذلك الاسم الذي لم يبقَ مجرد اسم في التاريخ، ولا مجرد ذكرى تُستعاد في عاشوراء، بل أصبح معنىً حيّاً يتجدد في وجدان الملايين. كلما ظنّ البعض أن الألم قادر على كسر الناس، ظهر الحسين في قلوبهم ليقول لهم إن الإنسان قد يخسر الكثير، لكنه لا يخسر كرامته ما دام متمسكاً بالحق.

محبة الحسين جعلت شبابنا أشد قوة وحماساً في مواجهة الطغيان؛ لأن من تربّى على مدرسة الحسين لا يرى الشجاعة مجرد اندفاع، بل يرى فيها موقفاً ومسؤولية ورفضاً للذل.

ومحبة الحسين جعلت مصائبنا تبدو أصغر أمام مصيبته.

حين نتذكر طفلاً عطشاناً في كربلاء، ونساءً سبايا، وأجساداً أُنهكت، وبيتاً من أهل النبوة حُوصر، ثم نقارن ذلك بما نمر به من ألم وفقد ونزوح ودمار، نشعر أن في ذاكرة كربلاء قدرة عجيبة على تعليم الإنسان كيف يحمل وجعه دون أن ينكسر.

ليس لأن مصائب الناس قليلة، بل لأن الحسين علّم محبيه أن الألم لا يعني الاستسلام.

والأعجب من ذلك أن الحروب والقصف والدمار لم تستطع أن تنتزع من الناس رغبتهم في زيارته.

قد تُدمّر الطرق، وقد تُغلق المعابر، وقد تتساقط البيوت، وقد يفقد الإنسان عزيزاً، وقد يضطر إلى إنفاق أضعاف ما كان ينفقه للوصول إلى كربلاء، ومع ذلك يبقى السؤال في قلبه:

كيف أصل إلى الحسين؟

هنا يصبح الطريق نفسه جزءاً من الزيارة.

الطائرة التي تُدفع كلفتها، والتعب، والانتظار، والخوف، كلها تتحول في وجدان المحب إلى تفاصيل صغيرة أمام غاية واحدة: الوصول إلى الحسين.

أي حب هذا؟

كيف يستطيع إنسان أن يحمل كل هذا الشوق إلى رجل مضى على شهادته أكثر من ألف وثلاثمئة عام؟

الجواب ربما لا تسعفه الكلمات.

فالحسين ليس عند محبيه شخصاً من الماضي، بل حضوراً في الوجدان. ولذلك تجد البذل يتجاوز الحسابات المادية؛ فهناك من يعطي من قوته، ومن ماله، ومن وقته، ومن راحته، لأنه يشعر أن ما يقدمه في طريق الحسين صفر فيما قدمه إمامنا وآل بيته لحفظ الدين.

وهنا تكمن إحدى أعظم أسرار هذه المحبة أن الزيارة تريدك أن تكون قريباً من قيم ومبادئ الامام الحسين ع.

الامام الحسين ع يعني الكرامة حين يُطلب من الإنسان أن يركع.يعني الصبر حين تتكاثر الجراح.يعني الوفاء حين يتراجع الآخرون.ويعني أن الحق قد يكون وحيداً في لحظة، لكنه لا يصبح باطلاً لأنه وحيد.

ولهذا بقيت كربلاء حية.

فالأحداث التي لا تحمل إلا تفاصيلها تموت عندما يموت أصحابها، أما الأحداث التي تتحول إلى قيمة إنسانية فتولد من جديد في كل جيل.

كل عام، يأتي أناس لم يعيشوا كربلاء، ولم يروا الحسين، ولم يسمعوا صوته، لكنهم يبكونه كأن بينهم وبينه موعداً قديماً.

وكأن الحسين لم يغادر التاريخ، بل انتقل من صفحات الكتب إلى القلوب.

ولعل هذا هو السر في أن محبة الحسين لا تتراجع مع الزمن، بل تتسع.

فالطفل الذي يسمع اسم الحسين من أمه، والشاب الذي يحمل رايته، والمرأة التي تنفق من مالها للوصول إلى زيارته، والعجوز الذي يمشي رغم التعب، كلهم يكتبون فصلاً جديداً من حكاية بدأت في كربلاء ولم تنتهِ.

إنها محبة لا تُقاس بعدد الزائرين، ولا بحجم الأموال التي تُنفق، ولا بطول المسافات التي تُقطع.

إنها محبة تقاس بقدرتها على تغيير الإنسان من الداخل.

فإذا جعلتك محبة الحسين أكثر صبراً، وأكثر رحمة، وأكثر رفضاً للظلم، وأكثر تمسكاً بالكرامة، وأكثر استعداداً للعطاء، فقد أخذت من الحسين شيئاً من مدرسته.

أما السؤال الذي سيبقى عصياً على التفسير فهو:

كيف استطاع رجلٌ استشهد في أرضٍ بعيدة قبل قرون أن يجعل ملايين القلوب اليوم تتحرك نحوه، وتبكيه، وتنفق من أجله، وتمشي إليه، وتعتبر الوصول إلى قبره موعداً لا يجوز أن تفوّته؟
لأنه قدم نفسه وآل بيته لرضى الله وإحياء دين جده لهذا بقي إمامنا
شهيداً في كربلاء، حياً في القلوب، وقوةً في النفوس، ورايةً لا تنحني أمام الطغيان.

وكلما ظنّ العالم أن كربلاء أصبحت صفحة من الماضي، خرجت من بين الحشود ملايين الخطوات لتقول:

ما زال الحسين حاضراً… وما زال الحب الذي بدأ في كربلاء قادراً على أن يصنع من الألم قوة، ومن الدموع موقفاً، ومن الطريق إلى الحسين حياةً كاملة.