الأربعاء - 28 اكتوبر 2026

حين يتمرد الجنود… ماذا يحدث داخل الجيش الإسرائيلي؟!

الأربعاء - 28 اكتوبر 2026

حسن عبد الهادي زاير العگيلي
كاتب وباحث في الشأن السياسي

 

 

 

حين يغادر أكثر من مئة جندي وقائد قاعدة سديه تيمان العسكرية دون إذن من قياداتهم فإن المسألة لا تعود مجرد مخالفة انضباطية يمكن احتواؤها بإجراء عقابي عابر بل تتحول إلى نافذة نطل منها على الحالة النفسية العميقة التي بلغها جيش خاض ثلاث سنوات متصلة من القتال دون أن يمنح نفسه فرصة الالتقاط أو المراجعة فالجنود الذين غادروا ينتمون إلى كتيبة قتالية من الوحدات الضاربة وقد تركوا أسلحتهم داخل مهاجعهم قبل أن يغادروا حاملين مقتنياتهم الشخصية فقط وسط هتافات غاضبة ضد الضباط في مشهد وصفته أوساط عسكرية إسرائيلية نفسها بأنه غير مسبوق وأدى إلى إخراج الكتيبة بأكملها من الجاهزية العملياتية رغم أنها كانت على أعتاب الدخول في عمليات جديدة داخل قطاع غزة

وقد جاءت الشرارة الأولى لهذا الانفجار من واقعة تبدو في ظاهرها بسيطة حين أقدم قائد الكتيبة على تحطيم لوحات معدنية معلقة داخل مقرها تحمل شعارات ورموزا متوارثة بين الأجيال المتعاقبة من مقاتليها ترمز إلى الانتماء والروح القتالية التي رافقتهم في معارك غزة ولبنان وهو تصرف بدا لبعض الجنود إهانة مباشرة لتقاليد وحدتهم وهويتها الجمعية فتطورت المشادة إلى مواجهة مفتوحة انتهت بانسحاب جماعي من القاعدة كما كشفت مصادر عسكرية إسرائيلية أن جذر الأزمة يعود في الأصل إلى محاولة فرضتها فئة من المقاتلين القدامى على زملائهم الجدد من أعراف وسلوكيات داخلية ما فجر خلافا لم يعد بين الجندي وقيادته العليا فحسب بل تسرب إلى الهرم الداخلي للوحدة ذاتها بين جيل وجيل من مقاتليها وهو ما ينذر بتصدع أعمق من مجرد أزمة انضباط طارئة

والأخطر في هذا الحدث ليس فعل المغادرة بحد ذاته بل دلالته المؤسسية إذ تكشف تقارير من داخل الجيش الإسرائيلي أن قيادته بدأت فعلا في إعداد ما يشبه وثيقة مبادئ جديدة بعد أن رصدت تراجعا حادا وملموسا في مستوى الانضباط داخل صفوف جنودها وهذا بحد ذاته إقرار ضمني من المؤسسة العسكرية بأن ما جرى في سديه تيمان ليس حادثا معزولا بل عرض من أعراض حالة أعم بدأت تتسلل إلى بنية الجيش بعد سنوات من الاستنزاف المتواصل

ومن الناحية السيكولوجية يمكن قراءة هذا السلوك في ضوء ما يعرفه علم النفس العسكري بالإصابة الأخلاقية وهي حالة نفسية تصيب المقاتل حين يشعر أن القيم التي خاض من أجلها المعارك جرى انتهاكها من داخل مؤسسته لا من عدوه فحين يحطم القائد رمزا تحمل له الكتيبة معنى وجدانيا فإنه لا يكسر معدنا بل يكسر عقدا ضمنيا قائما بين الجندي وقيادته ذلك العقد الذي يقوم عليه الانضباط العسكري برمته والذي يفترض أن الطاعة تقابلها قيادة تحافظ على كرامة الجندي ومعناه الرمزي فإذا سقط هذا الشرط فقد الانضباط أساسه النفسي مهما بقيت القوانين العقابية قائمة شكليا

كما أن تراكم الضغط القتالي المستمر لأكثر من ثلاث سنوات يفضي في علم النفس العسكري إلى ما يعرف بإرهاق القرار الأخلاقي حيث يفقد الجندي تدريجيا قدرته على تحمل أي شعور إضافي بالظلم أو الإهانة مهما كان صغيرا لأن مخزونه النفسي من الصبر قد استنفد فعلا في جبهات القتال فتتحول حادثة رمزية بسيطة إلى شرارة تفجر غضبا متراكما لم يكن أصلا متعلقا باللوحة المعدنية بل بكل ما سبقها من فقدان الرفاق وطول الخدمة الاحتياطية والشعور بأن التضحيات لا تقابلها قيادة سياسية أو عسكرية تستحقها

وحين يقدم الجندي على مغادرة قاعدته تاركا سلاحه فإن هذا الفعل يحمل في لغة علم النفس الجمعي دلالة مزدوجة فهو من جهة إعلان احتجاج سلمي متعمد إذ إن ترك السلاح رسالة تقول إننا لسنا متمردين مسلحين بل جنود مهانون ومن جهة أخرى هو مؤشر على انهيار الثقة بجدوى الاستمرار في القتال تحت قيادة فقدت في نظرهم شرعيتها الأخلاقية ولو للحظة وهذا بالضبط ما يفسر انتشار السلوك جماعيا فالانسحاب الجماعي في علم النفس العسكري يحدث حين يتحول الشعور الفردي بالظلم إلى هوية جمعية يتقاسمها أفراد الوحدة فيتحرك الجميع بمنطق القطيع الأخلاقي لا بقرار فردي محسوب

إن الجيوش تاريخيا لا تنهار دفعة واحدة بل تتآكل من الداخل عبر سلسلة من المؤشرات الصغيرة يبدأ أولها غالبا بفقدان الثقة بالقيادة الميدانية قبل أن يتسع إلى فقدان الثقة بالمؤسسة العسكرية كلها ثم بجدوى الحرب ذاتها وما جرى في سديه تيمان قد لا يكون بداية هذا المسار لكنه بالتأكيد حلقة أخرى في سلسلة طويلة من علامات الإنهاك بدأت تظهر في أكثر من وحدة قتالية إسرائيلية خلال الأشهر الأخيرة وهو ما يجعل تأكيد الجيش أن ما جرى لا ينسجم مع قيمه أقرب إلى محاولة احتواء إعلامي منه إلى معالجة فعلية لجذر الأزمة

فالمشكلة ليست في لوحة معدنية تحطمت بل في جيش يقاتل منذ سنوات دون أفق سياسي واضح لإنهاء الحرب وهذا الغياب هو ما يحول أي احتكاك داخلي مهما كان صغيرا إلى اختبار حقيقي لصلابة المؤسسة العسكرية وقدرتها على الاحتفاظ بولاء جنودها حين تطول الحرب وتتوالى الخسائر بلا نهاية واضحة في الأفق