الكفاءات العراقية… كيف أُفرغ مشروع العودة من مضمونه الوطني؟!
حسن عبد الهادي زاير العگيلي
باحث في سياسات الهجرة واستعادة الكفاءات العراقية

لم يكن استنزاف العقول العراقية مجرد نتيجة للحروب والأزمات، بل تحول مع مرور الزمن إلى أحد أخطر التحديات التي واجهت الدولة العراقية الحديثة. وكان من الطبيعي أن يكون مشروع استعادة الكفاءات والخبرات العراقية في الخارج أحد أهم المشاريع الاستراتيجية بعد عام 2003، لأنه لا يستهدف إعادة أفراد فحسب، بل استعادة المعرفة، والخبرة، ورأس المال البشري الذي تحتاجه الدولة في إعادة بناء مؤسساتها.
غير أن هذا المشروع الوطني لم يواجه تحديات خارجية فقط، بل اصطدم أيضاً بعوائق داخل بعض المؤسسات، حيث بقيت ذهنيات إقصائية وأساليب عمل موروثة تقاوم كل محاولة لإعادة العراق إلى محيطه العلمي والمهني العالمي.
وفي تقديري، فإن بقايا الفكر الشمولي، أو ما يمكن وصفه بـ”النفس البعثي” بوصفه نمطاً في التفكير والإدارة، وليس بالضرورة انتماءً تنظيمياً، أسهمت في بعض المواقع بإضعاف مشروع استعادة الكفاءات. فهذا النمط يقوم على الانغلاق، والخوف من الكفاءة المستقلة، وتقديم الولاء على الخبرة، والإبقاء على المؤسسة بعيدة عن المنافسة والتجديد.
لقد كان نجاح مشروع استعادة الكفاءات سيحمل رسالتين وطنيتين بالغتي الأهمية. الأولى، أن الدولة العراقية بعد عام 2003 هي دولة لجميع العراقيين، تحتضن أبناءها بمختلف انتماءاتهم الدينية والقومية والإثنية والفكرية، وأن معيارها هو المواطنة والكفاءة. والثانية، أن العراق يمتلك الإرادة والثقة للانفتاح على خبراته الوطنية في الخارج والاستفادة منها في بناء مؤسسات حديثة.
ولذلك، فإن تعطيل هذا المشروع كان يخدم – من الناحية السياسية والإعلامية – صورة معاكسة تماماً؛ صورة توحي بأن الدولة غير معنية بعقولها، أو أنها عاجزة عن التواصل معها، أو أنها تخشى عودتها، وهي صورة لا تخدم مشروع الدولة، بل تضعف الثقة بين الوطن وأبنائه.
وقد نجحت هذه الذهنية، في بعض الحالات، في التأثير على قرارات إدارية من خلال استغلال ضعف الخبرة لدى بعض القيادات، والالتفاف على أهداف الدولة، وتمرير إجراءات ظاهرها التنظيم، بينما كان أثرها العملي إبطاء أو إفراغ مشاريع استعادة الكفاءات من مضمونها الحقيقي.
إن العراق لا يحتاج اليوم إلى استعادة الكفاءات فحسب، بل يحتاج أيضاً إلى مراجعة شاملة للعقليات الإدارية التي ما زالت تعيق هذا الملف. فالدول لا تُقاس بعدد المباني التي تشيدها، وإنما بعدد العقول التي تستطيع جذبها والمحافظة عليها.
إن بناء الثقة مع الكفاءات العراقية في الخارج يجب أن يكون مشروعاً سيادياً، تشترك فيه جميع مؤسسات الدولة، وتدعمه الأجهزة الرقابية، ويُنظر إليه بوصفه أحد مرتكزات الأمن الوطني والتنمية المستدامة. فكل عقل عراقي يعود إلى وطنه يحمل معه سنوات من الخبرة والمعرفة والعلاقات الدولية، وهي ثروة لا يجوز التفريط بها.
إن معركة العراق في القرن الحادي والعشرين ليست معركة موارد فقط، بل هي معركة عقول. ومن ينتصر في هذه المعركة هو من يجعل الكفاءة معياراً، ويُسقط كل الذهنيات التي تعيق بناء الدولة الحديثة، مهما كان مصدرها أو مسمياتها.



