مقتل حيدر اسكندر.. كشف موت الضمير قبل الإنسان..!
حسن عبد الهادي زاير العگيلي
باحث وكاتب في الشأن السياسي

خمس وأربعون دقيقة كاملة، عدّها الزمن ببطء قاسٍ لا يشبه رحمته المعتادة، ظل فيها الشاب حيدر أسكندر العگيلي ممدداً على الإسفلت ورقبته مقطوعة تنزف بلا توقف، بينما أصدقاؤه من حوله يحدّقون في الدم وهو يتسرب من جسده كأنهم يشاهدون شيئاً لا يصدقونه، عاجزين، تائهين، لا يعرفون أيرفعونه أم يوقفون أحداً أم يصرخون أعلى مما صرخوا.
وفي الزقاق الذي احتضن آخر أنفاسه كانت السيارات مصطفة عند الأبواب، فارغة، ساكنة، أصحابها في بيوتهم على مقربة منها، يملكون كل ما يلزم لنقل شاب يحتضر إلى أقرب مستشفى، ومع ذلك بقيت مفاتيحها في جيوب أصحابها كما بقيت أبواب البيوت موصدة.
ومن خلف الستائر المسدلة على النوافذ كانت عيون كثيرة تراقب المشهد، تراه بوضوح، لكنها اختارت أن تبقى خلف القماش الرقيق، كأن الستارة كانت الحاجز الوحيد بين إنسانيتها ونجدة إنسان يحتضر على بعد أمتار منها.
لم يمت حيدر في لحظة واحدة كما يموت من يُصاب برصاصة قاتلة أو ضربة عابرة، بل مات موتاً بطيئاً، موتاً يشهد عليه الزمن دقيقة بعد دقيقة، ويشهد عليه كل من مرّ ولم يقف، وكل نافذة انفتحت قليلاً لترى ثم أُغلقت من جديد.
كان جسده هناك، مرئياً لعشرات العيون، لكن روحه كانت تغادر وحيدة تماماً، محاطة بالناس ومهجورة منهم في آن واحد، وهذا أشد أنواع الوحدة قسوة، أن يموت المرء وسط الزحام ولا يمد إليه أحد يداً.
كان يكفي أن يُسعف أحدهم حيدر في سيارته الخاصة، أن ينزل رجل واحد من بيته، يفتح باب سيارته المتوقفة، ويحمل شاباً ينزف إلى أقرب مستشفى، لتُروى هذه القصة اليوم بشكل مختلف تماماً.
لم تكن المسافة بعيدة، ولم تكن الوسيلة معدومة، بل كان المفقود هو القرار، ذلك القرار البسيط الذي يفصل بين إنسان ينهض ليُنقذ وآخر يبقى خلف الزجاج يراقب.
وهنا يكمن جوهر المأساة، فالخوف الذي شلّ الأيدي عن مد يد العون لم يكن خوفاً من الدم وحده، بل خوفاً مركباً من منظومة كاملة تُعاقب الإحسان قبل أن تكافئه.
فمن يحمل مصاباً إلى سيارته يعرف أنه بذلك يفتح على نفسه باب الشرطة، ويعرف أن التحقيق معه لن يكون سؤالاً عابراً بل سلسلة استدعاءات متكررة، يُنتزع فيها من عمله وبيته ليمثل مراراً أمام محقق يتعامل مع المحسن كما يتعامل مع المشتبه به، في منظومة مساءلة بدائية لا تفرّق بين من أنقذ ومن اعتدى.
وفوق هذا كله يقف العرف العشائري كحارس إضافي للصمت، إذ يكفي أن يُرى الرجل بالقرب من جثة أو مصاب حتى يُحسب على “طرف” في نزاع لا ناقة له فيه ولا جمل، فتُفتح عليه أبواب الفصل والدية والمشاكل العشائرية التي قد تلاحقه وعائلته سنين. بين مطرقة الشرطة وسندان العشيرة، يجد الإنسان نفسه محاصراً بخوف مزدوج، فيختار السلامة الشخصية على حساب حياة غريب، لا لأنه فقد إنسانيته، بل لأن المنظومة نفسها علّمته أن الإحسان قد يكلفه أكثر مما يتحمل.
وهذه هي الحلقة المفقودة التي يجب كسرها، فحين يتحول رجال الشرطة إلى من يُطارد المحسن بدل أن يحميه، وحين يتحول العرف من ضامن للنجدة إلى مصدر تهديد لمن يقدمها، فإن المجتمع بأكمله يُدفع نحو الصمت والتفرج، ويصبح الوقوف خلف الستارة أو داخل البيت المغلق خياراً “عقلانياً” في منظومة عاقبت الرحمة وكافأت اللامبالاة.
رحم الله حيدر العگيلي، الذي رحل وحيداً وسط الزحام، تاركاً خلفه سؤالاً لا يمكن لأي ستارة أن تحجبه: أي إنسانية تلك التي تُقتل خلف النوافذ المغلقة، بينما يُقتل إنسان أمامها؟



