لعبة الأقنعة: من يقاتل إيران فعلاً؟!
حسن عبد الهادي زاير العگيلي
باحث وكاتب في الشأن السياسي

تشهد المنطقة تحولاً لافتاً في طبيعة الخطاب السياسي والإعلامي المرافق للصراع الدائر إذ يتضح يوماً بعد يوم أن الولايات المتحدة تسعى جاهدة إلى إبراز المواجهة بوصفها صراعاً أمريكياً إيرانياً محضاً مع سحب الكيان الصهيوني تدريجياً من واجهة المشهد وإبقائه في الظل قدر الإمكان. وهذا ليس تحولاً عفوياً ولا خطاباً عابراً بل تكتيك مدروس بعناية يهدف إلى إعادة تشكيل إدراك الشعوب العربية والإسلامية لطبيعة هذا الصراع وأطرافه الحقيقية.
فواشنطن وتل أبيب أدركتا جيداً بعد أشهر من المواجهة المفتوحة أن الحضور الصهيوني المباشر في أي معركة إقليمية يفعّل فوراً آلية دفاعية عميقة في الوجدان العربي والإسلامي تتجاوز كل الخلافات المذهبية والسياسية الداخلية. فالقضية الفلسطينية ما زالت جرحاً مفتوحاً في ضمير الأمة والاصطفاف العلني إلى جانب إسرائيل يظل خطاً أحمر يتحاشاه حتى أشد الخصوم السياسيين لإيران.
فالسني الذي يحمل تحفظات مذهبية أو سياسية تجاه طهران لا يستطيع إن وُجدت المعركة بوجه صهيوني واضح أن يعلن تضامنه مع إسرائيل أو حتى صمته المريب تجاهها لأن الشارع لن يغفر له ذلك. وهنا بالضبط تكمن خسارة واشنطن وتل أبيب الحقيقية في المرحلة الأولى من الحرب فقد وحّد حضورهما المباشر الصفوف بدل أن يفرّقها وأعاد إحياء تلاحم شيعي سني نادر حتى إن منابر إعلامية عربية معروفة بمواقفها المتحفظة من إيران وجدت نفسها مضطرة لإعادة النظر في خطابها.
من هنا جاء التكتيك الجديد تفريغ المعركة من حضور الكيان الصهيوني المباشر وتحويلها إلى واجهة أمريكية إيرانية صرفة بحيث تنحصر الأنظار في الخلاف مع سياسات واشنطن وقراراتها لا سيما إدارة الرئيس دونالد ترامب بعيداً عن الرمزية الفلسطينية التي تربك الحسابات وتفسد المعادلة الإعلامية على صانع القرار الأمريكي والصهيوني معاً. وهذا لا يعني بأي حال أن الخلاف مع أمريكا هو خلاف مع الشعب الأمريكي فالشعوب بريئة من قرارات ساستها والمعركة موجهة حصراً إلى سياسة إدارة تتبنى بوضوح أجندة الكيان الصهيوني وتنفذها بالوكالة أحياناً وبالمباشرة أحياناً أخرى.
والحقيقة أن هذا النمط من التحالفات ليس جديداً على المنطقة ولا غريباً عن تاريخها. فالتاريخ الإسلامي يحفظ لنا مشهداً شبيهاً حين تحالفت قوى يهود المدينة مع قبائل عربية مشركة في تحشيد الأحزاب لمحاصرة الدعوة الناشئة والقضاء عليها في معركة الخندق في واحدة من أخطر لحظات التآمر على مشروع كان لا يزال في طور التكوّن.
واليوم وبمعزل عن الحرفية في المقارنة نشهد نمطاً مشابهاً في جوهره تحالف صهيوني مع أطراف عربية معلنة حيناً ومستترة حيناً آخر يستهدف هذه المرة الجمهورية الإسلامية الإيرانية فكراً وعقيدةً وموقفاً ومحوراً للمقاومة في محاولة لإجهاض مشروع سياسي وعقائدي يرى فيه أعداؤه تهديداً وجودياً لمصالحهم في المنطقة. وهذه المعادلة بكل صراحة خطيرة وتستحق أن يعيها كل متابع عربي ومسلم بغض النظر عن انتمائه المذهبي لأن استهداف طهران اليوم قد يكون بوابة لاستهداف أي مشروع مقاومة آخر غداً.
لكن الرهان الحقيقي رغم كل أدوات التضليل الإعلامي وإعادة صياغة الرواية يبقى على وعي الشعوب العربية والإسلامية وقدرتها على قراءة المشهد بعيداً عن الاستقطاب المصطنع. فمهما تفنن صناع القرار في واشنطن وتل أبيب بإخفاء الطرف الحقيقي خلف الطرف الظاهر تبقى الحقيقة أوضح من أن تُخفى أن هذه حرب على مشروع المقاومة بكل رموزه وأن إيران اليوم تخوض معركة لا تخصها وحدها بل تخص كل من يرفض الخضوع لمعادلة الهيمنة الصهيونية الأمريكية على مقدرات المنطقة.
ومعركة الوعي هذه في نهاية المطاف لا تقل خطورة عن المعركة العسكرية وقد تكون هي الفيصل الحقيقي في تحديد من يخرج منتصراً من هذه المواجهة ومن يخرج مكشوف الحقيقة أمام شعوب لم تعد سهلة الخداع.



