الأربعاء - 28 اكتوبر 2026

مقال مهم جدا جدا.. عودة الجرس: المسيحيون العراقيون بين الذاكرة والرجاء..!

الأربعاء - 28 اكتوبر 2026

حسن عبد الهادي زاير العگيلي
باحث وكاتب في الشأن السياسي hassanalisar@gmail.com

 

 

في عام 1987 كان عدد المسيحيين العراقيين مليونًا و262 ألف نسمة، أي أربعة بالمئة من نفوس العراق. وقبل سقوط النظام السابق عام 2003 كانوا نحو مليون ونصف مليون، من أصل 25 مليون عراقي. أما اليوم، وبعد أكثر من عقدين من الحروب والتهجير والإرهاب، فإن التقديرات الأكثر موثوقية الصادرة عن مفوضية حقوق الإنسان في العراق عام 2021، وعن البطريركية الكلدانية نفسها، تشير إلى أن ما تبقى من هذا المكون العريق لا يتجاوز 250 ألف نسمة. بمعنى آخر غادر ستة من كل سبعة مسيحيين عراقيين وطنهم خلال جيل واحد فقط. هذا ليس رقمًا إحصائيًا عابرًا بل نزيف ديمغرافي وحضاري لم يشهد العراق مثله منذ مجزرة سميل عام 1933.

والأرقام خلف هذا الرقم أشد إيلامًا. فبحسب التقرير ذاته قُتل 1315 مسيحيًا عراقيًا بين عامي 2003 و2014 ونزح نحو 130 ألفًا واختُطف 161 آخرون خلال سيطرة داعش على الموصل بين 2014 و2017. وفي بغداد وحدها حيث لم تحدث معارك عسكرية مباشرة تراجع عدد المسيحيين من نحو نصف مليون قبل 2003 إلى ما لا يتجاوز 150 ألفًا اليوم بحسب النائب السابق يونادم كنا.

أما الموصل التي كانت موطنًا لعشرات الآلاف منهم فلا يقيم فيها اليوم سوى نحو 70 عائلة. وقرية قره قوش بغديدة أكبر بلدة سريانية في العراق التي كان يسكنها 40 ألف مسيحي قبل تهجير 2014 لا يتجاوز عدد سكانها اليوم 19 ألفًا.

هذا الفراغ الذي خلّفته الهجرة ليس فراغًا سكانيًا فحسب بل فراغ في رأس المال البشري النوعي.

فالمسيحيون العراقيون منذ العصر العباسي كانوا العمود الفقري لحركة الترجمة والعلوم فقد نقلوا عن اليونانية والسريانية والفارسية وأخرجت مدارسهم في الرها ونصيبين وجنديسابور أطباء وفلاسفة ومؤرخين وفلكيين وأداروا مستشفيات ومكتبات ومراصد كانت الأساس الذي قامت عليه الحضارة الإسلامية في عصرها الذهبي. وفي الدولة العراقية الحديثة كان لهم حضور نوعي يفوق نسبتهم العددية بأشواط أطباء وعمداء كليات ومديرو دوائر مالية ومعاونو محافظين وقضاة ومهندسون وأساتذة جامعات. وحين نسأل اليوم عن عمداء كليات مسيحيين في جامعات العراق الـ76 فإن الجواب المؤلم هو لا أحد. القوانين التي تنص على حصة خمسة بالمئة للمكونات في التوظيف باتت شكلية لا تُفعَّل والتمثيل الوظيفي الذي كان لهم في كركوك وبغداد يتقلص عامًا بعد عام لصالح المحاصصة.

إن ما يجعل هذا النزيف أكثر مرارة هو أنه نزيف صامت لا يرافقه إعلان رسمي ولا نفير وطني كما حدث لمسيحيي الأناضول عام 1915.

إنه هجرة هادئة عائلة بعد عائلة كنيسة بعد كنيسة حتى تحوّلت بعض كنائس بغداد إلى مخازن تجارية بعد أن أُقفلت أبوابها لغياب المصلين.

وفي البصرة والعمارة والناصرية والديوانية حيث كانت الجاليات المسيحية جزءًا من نسيج المدن الجنوبية لم يتبقَّ اليوم سوى بضع مئات من العائلات بعضها لا يتجاوز عائلة واحدة في محافظة بأكملها.

لكن العراق الذي نعرفه والذي تحدّث عنه المؤرخون منذ فجر الحضارة لم يكن يومًا وطنًا لدين واحد أو قومية واحدة.

كان ملتقى للكلداني والسرياني والآشوري والأرمني كما كان ملتقى للعربي والكردي والتركماني والأيزيدي والصابئي. وحين يغيب أحد هذه الأوتار يفقد اللحن الوطني كماله. فالدول لا تُقاس بمساحتها أو بثرواتها النفطية وحدها بل بقدرتها على احتضان تنوعها والدفاع عنه.

إن استعادة هذا المكون لا تكون بالخطابات والمناسبات الرمزية بل بمشروع وطني حقيقي وقابل للقياس إعادة الممتلكات المسيحية المصادرة التي تُقدَّر قيمتها بأكثر من 20 مليار دولار بحسب مراقبين إلى أصحابها الشرعيين عبر آلية قضائية سريعة وشفافة وتفعيل حصة التوظيف المنصوص عليها قانونًا بدل تركها حبرًا على ورق وإعادة إعمار ما دمرته الحرب في سهل نينوى بمعايير قابلة للتحقق لا بوعود موسمية وفتح قناة مؤسسية جادة مع الجاليات المسيحية العراقية في السويد وأستراليا وكندا وأميركا التي يفوق عدد أبنائها اليوم عدد الباقين في الوطن لاستثمار خبراتهم لا الاكتفاء بذكراهم.

فالعراق الذي نحلم به هو ذلك الذي تُقرع فيه أجراس الكنائس إلى جانب أذان المساجد لا كصورة نمطية للتعايش بل كواقع معيش تحميه الدولة بالقانون قبل أن تحميه الشعارات.

وحين يعود المسيحي العراقي إلى بيته آمنًا فإن العراق كله هو من يستعيد جزءًا من ذاكرته المبتورة وفصلاً من هويته لا يكتمل الوطن من دونه.