الأربعاء - 24 يونيو 2026

كما في “لحظة السويس”.. هل أمريكا أمام “لحظة هرمز”؟

منذ ساعتين
الأربعاء - 24 يونيو 2026

إيهاب شوقي ـ مصر ||

 

 

ترتكز الهيمنة على أعمدة استراتيجية تقليدية عابرة لنمط العصور ومستجداتها، منذ الإمبراطوريات التاريخية التقليدية وصولاً إلى الإمبراطوريات الاستعمارية الحديثة، أهمها السيطرة على طرق التجارة والموانئ والمضائق والممرات البحرية.

قامت نظريات الهيمنة الحديثة على السيطرة على البحار كونها شرطًا للسيطرة على اليابس وتطوير النظريات الحديثة انطلاقًا من استراتيجيات المؤرخ والضابط الأمريكي ألفريد ماهان للقوة البحرية. هذا ما جعل القوى العالمية الكبرى تهتم بتطوير أساطيلها وقواها البحرية بالتزامن مع قوتها البرية والجوية لإخضاع الأقطار وتحويل الدول المطلة على المنافذ البحرية إلى قوى حبيسة؛ على الرغم من إشرافها على أهم المنافذ والممرات البحرية.

تراجعت الإمبراطوريات الكبرى عندما فقدت نفوذها العالمي، وارتفعت كلفة تمددها الخارجي على حساب جني المكاسب، فافتقدت جدوى الهيمنة وهو ما بدا جليًا في تراجع الإمبراطورية البريطانية وانهيارها في العصر الحديث لحساب إمبراطورية أمريكية صعدت لتنتزع مكانها وترث نفوذها.

أرّخ لبداية هذا السقوط عمليًا في حرب السويس المعروفة في منطقتنا العربية والإسلامية بالعدوان الثلاثي على مصر في العام 1956، عندما قامت مصر وفي قرار تاريخي للزعيم جمال عبد الناصر بتأميم قناة السويس، ما شكل ضربة كبرى للاستعمار ولبريطانيا، والتي استدعت تحالفها مع فرنسا وذيلها الكيان الصهيوني لشن عدوان على مصر لانتزاع القناة. مع الفشل بسبب المقاومة وتربص قوى صاعدة وقوى قطبية أخرى، مثل أميركا والاتحاد السوفياتي السابق، فشلت حملة السويس وفشلت بريطانيا ودخلت سلسلة من فقد نفوذها ومستعمراتها، وعرفت هذه المرحلة بمصطلح يجسد السقوط الإمبراطوري، وهو “لحظة السويس”.

الشاهد أن الولايات المتحدة تشرب من الكأس ذاته، بعد عدوانها على إيران وفشلها في إخضاعها وإخضاع محور المقاومة، ونجاح الجمهورية الإسلامية في السيطرة والتحكم بمضيق هو الأهم في العالم، وهو مضيق هرمز الذي يتحكم بعصب الطاقة العالمية، وهو ما شكل ضربة كبرى للاستعمار والهيمنة الأمريكية التي فشلت في انتزاعه كما فشلت بريطانيا في انتزاع قناة السويس.
اللافت أن هناك تشابهًا كبيرًا في الظروف والأوضاع بين “لحظة السويس” و”لحظة هرمز”، حيث أقدمت أميركا على مجازفة إمبراطورية ظنت معها أنها ستكون حربا خاطفة، مثلما ظنت بريطانيا أنها ستنتزع قناة السويس في عدة أيام.
مع صمود مصر ونجاح تحالفاتها الناشئة في إفشال الهجمة الاستعمارية، خرجت بريطانيا ورئيس وزرائها الذي عانى التوتر والتخبط الشديد في قرارته خاسرة لنفوذها الدولي ومكانتها القطبية، حيث أصبحت مجرد تابع لأمريكا التي استغلت اللحظة لوراثة النفوذ البريطاني.

اليوم؛ نرى قوى صاعدة، مثل الصين وروسيا تترقب سقوط أمريكي مشابه، ونرى ملامح تحالفات جديدة تحسن إيران تدشينها، وملامح يمكن أن نطلق عليها تأميمًا لمضيق هرمز على غرار تأميم قناة السويس.

اللافت أن مراكز الدراسات الأمريكية وكبار الكتّاب والمحللين الأمريكيين بدأوا في الحديث عن “لحظة السويس”، وعن تراجع أميركا وخروجها مهزومة بعد خضوعها للشروط الإيرانية وما بدا استسلامًا أمام الصمود الإيراني. على سبيل المثال، مجلة “فورين بوليسي”، نشرت مقالاً بعنوان “آن أوان انسحاب القوات الأميركية من الشرق الأوسط”، ستيفن آيه كوك يخلص فيه إلى أن العصر الأميركي في منطقة “الشرق الأوسط” (غرب آسيا) يقترب من نهايته”.

في قلب مقاله، استعاد مشهد بريطانيا، حين قال إن المشهد يبدو، إلى حد بعيد، استعادة لأجواء ديسمبر 1971، عدما بدأت أميركا وراثة الوجود البريطاني عمليًا، واستعاد لحظة يناير 1968، عندما أعلن رئيس الوزراء البريطاني هارولد ويلسون أن المملكة المتحدة ستسحب قواتها من الخليج ، بعدما أصبحت عاجزة عن تحمل أعباء ما تبقى من إمبراطوريتها العالمية، ومنها قواعدها العسكرية المتقدمة في الخليج.

مثال آخر، أكثر صراحة، هو تحليل بقلم سيمون مكارثي من شبكة CNN، والذي تحدث عن جدل “لحظة السويس”، فقد رصد مناقشة المفكرين السياسيين لتأثير الصراع في موقع واشنطن في النظام العالمي. استعرض تساؤل بعض المحللين عما إذا كان هذا الصراع يمثل ما يُعرف تاريخيًا بـ”لحظة السويس” بالنسبة إلى الولايات المتحدة، في إشارة إلى فقدان بريطانيا سيطرتها على قناة السويس في خمسينيات القرن الماضي، وهو حدث يُنظر إليه على نطاق واسع علامة على تراجع بريطانيا الدولي وصعود الولايات المتحدة قوة مهيمنة.

كما كتب مدير مركز دراسات الشرق الأوسط في جامعة فودان الصينية في شنغهاي، صن دِه قانغ، في مقال نُشر في صحيفة “غلوبال تايمز” التابعة للدولة: “هل المشهد الذي ألقى بظلاله على الإمبراطورية البريطانية خلال أزمة السويس يُعاد اليوم في مضيق هرمز بالنسبة إلى الولايات المتحدة؟”

مما لا شك فيه أن التاريخ يعيد تكرار نفسه؛ لأن له سنن وقواعد، وإذا ما تكررت الحوادث والممارسات، فإن السنن الحاكمة تكرر النتائج. لهذا نحن مطالبون باستخلاص الدروس، والمقاومة تعي جيدًا أنه لا يسقط حق وراؤه مطالب، وأن كلفة الاستسلام أكبر بكثير من كلفة المقاومة وتضحياتها، وأنه لا معنى للحياة من دون كرامة وعزة.