إستعدوا لإختبار الشراكة الجديدة مع واشنطن..!
الكاتب والباحث بالشأن السياسي أثير الشرع ||

في الآونة الأخيرة، تصاعدت لهجة بعض المسؤولين الأميركيين تجاه العراق، وبرزت تصريحات حملت قدراً واضحاً من الإمتعاض حيث قال بعضهم ومنهم الرئيس ترامب: “ساهمنا في تحرير العراق وقدمنا ما قدمناه، لكن عندما ترغب شركاتنا في الإستثمار لا تمنحونها الفرصة” وهي رسالة سياسية وإقتصادية تتجاوز مسألة العقود والإستثمارات لتلامس طبيعة العلاقة المستقبلية بين بغداد وواشنطن،
هذه التصريحات تأتي بالتزامن مع إستعداد رئيس الوزراء علي فالح الزيدي لزيارة واشنطن منتصف تموز المقبل بعد دعوة ترامب، وهي زيارة نصفها بأنها واحدة من أهم المحطات في مسار العلاقات العراقية -الأميركية خلال السنوات الأخيرة، خصوصاً في ظل إدارة أميركية يقودها الرئيس الأميركي المعروف بمنطقه القائم على المصالح الإقتصادية والنتائج العملية أكثر من الخطابات الدبلوماسية التقليدية.
واشنطن تنظر إلى العراق اليوم بإعتباره فرصة إقتصادية وإستراتيجية كبيرة؛ فهي تريد شريكاً مستقراً، وسوقاً مفتوحة للإستثمارات، وضمانات لأمن الطاقة، فضلاً عن رؤية أكثر وضوحاً بشأن مستقبل الفصائل المسلحة والعلاقات العراقية مع القوى الإقليمية.
أما حكومة الزيدي فتواجه معادلة دقيقة، فهي مطالبة بالحفاظ على علاقات متوازنة مع الولايات المتحدة من جهة، وعدم إثارة مخاوف القوى السياسية الداخلية من جهة أخرى، كما أنها مطالبة بإقناع المستثمر الأميركي بأن العراق أصبح بيئة أكثر أمناً وإستقراراً وقدرة على حماية رؤوس الأموال الأجنبية، السؤال الذي يتردد في الأوساط السياسية اليوم هو: هل يستطيع الزيدي إرضاء ترامب؟
الإجابة عن السؤال أعلاه تعتمد على تعريف كلمة “إرضاء”! فترامب لا يبحث عادة عن المجاملات السياسية، بل عن إنجازات ملموسة يمكن قياسها بالأرقام وإذا حمل الزيدي معه إلى واشنطن مشاريع إستثمارية واضحة، وخططاً لتطوير قطاع الطاقة، وإجراءات لتسهيل عمل الشركات الأميركية، فقد يجد آذاناً صاغية داخل البيت الأبيض، خصوصاً عندما يرافق الزيدي وزراء ورجال أعمال.
في المقابل، من غير المتوقع أن يوافق الزيدي على كل ما قد تريده واشنطن، فالحكومة العراقية تعمل ضمن توازنات داخلية وإقليمية معقدة، وأي تنازلات كبيرة في الملفات السيادية أو الأمنية قد تثير ردود فعل داخلية واسعة، لذلك فإن نجاح الزيارة لن يقاس بمدى “إرضاء ترامب” بقدر ما سيقاس بقدرة الطرفين على بناء تفاهمات واقعية تخدم مصالحهما المشتركة، فالولايات المتحدة تحتاج إلى (عراق مستقر) وقادر على حماية مصالحها الإقتصادية، والعراق يحتاج إلى الدعم السياسي والتكنولوجي والإستثماري الأميركي من أجل تعزيز التنمية وإعادة بناء مؤسسات الدولة.
إذا نجح الزيدي في تقديم رؤية إقتصادية جادة، وخطوات عملية لمحاربة الفساد، وبرنامج واضح لحصر السلاح بيد الدولة وتعزيز الإستقرار، فقد يعود من واشنطن بمكاسب سياسية وإقتصادية مهمة؛ أما إذا إقتصرت الزيارة على العموميات والوعود التقليدية، فقد تبقى حالة التردد الأميركية قائمة، وقد تتواصل رسائل الاستياء التي بدأت تظهر في تصريحات المسؤولين الأميركيين؛
الأرجح فأن تموز المقبل لن يكون مجرد موعد لزيارة دبلوماسية، بل إختباراً حقيقياً لقدرة حكومة الزيدي على الإنتقال بالعلاقة مع واشنطن من مرحلة إدارة الأزمات إلى مرحلة الشراكة الإستراتيجية القائمة على المصالح المتبادلة وفي عالم السياسة، لا يوجد رضا دائم، بل توجد مصالح دائمة، ومن ينجح في إدارة المصالح هو من ينجح في كسب الشركاء.
الكاتب والباحث بالشأن السياسي أثير الشرع
٢٤ حزيران ٢٠٢٦



