الثلاثاء - 23 يونيو 2026
منذ 17 ثانية
الثلاثاء - 23 يونيو 2026

د. محمود الهاشمي ||

 

حين عرضت شاشات التلفاز مشاهد وفديوات لمنزل وكيل وزارة النفط عدنان الجميلي عجب كثيرون وهم يرون منزلا باثاث متواضعة ودون ادنى ترتيب فيما عجب اخرون من الملابس التي يرتديها الجميلي حيث بادنى ذوق وعدم تنسيق بالالوان وغيرها..

هذا (العجب)مرده الى امرين الاول ان الرجل بمنصب رفيع بالدولة (وكيل وزارة )وثانيا الى حجم الاموال التي سرقها والتي في اخر تقرير لمجلس القضاء (أن إجمالي الأموال المضبوطة 10 ملايين دولار أمريكي و31 مليار دينار عراقي بالإضافة الى 70 عقاراً و21 عجلة حديثة، فضلاً عن مصوغات ذهبية تقدر بنحو 3 كيلوغرامات) لاشك هناك اموال اخرى سيكشف عنها لاحقاً..

ليس هنالك من تقارير وبيانات عن مصير الاموال التي يسرقها اللص اذا لم يكتشفها القضاء وكثيرون لايعلمون اين يذهب اللصوص بالأموال المسروقة سواء من مقتنيات الناس او مؤسسات الدولة وغالبا مايبقى امرها مخفيا في ملفات القضاء بعد ان يلقى القبض عليهم حيث لابد للقضاء ان يسأل عن مصير الاموال المسروقة وأين ذهبت فقد يعيد مابقي منها على الاقل لاصحابها بعد استردادها..

علم النفس يؤكد ان اللصوص لا يُعتبرون أشخاصاً أسوياء من الناحية النفسية أو الاجتماعية. فسرقة ممتلكات الآخرين تكشف غالباً عن خلل في القدرة على التعاطف، وضعف في التحكم بالدوافع، وتجاهل للحدود الشخصية والمجتمعية، وتندرج دوافعهم تحت عوامل معقدة مردها الى دوافع نفسية يعاني البعض من اضطراب نفسي يسمى (Kleptomania)، وهي رغبة ملحة لا تقاوم للسرقة دون الحاجة الفعلية للمسروقات.

وقد يرتبط السلوك الإجرامي المتكرر باضطراب الشخصية المعادية للمجتمع وقد يتسم اللص بذكاء حاد وقدرة على التخطيط، لكن هذا لا يلغي افتقاره للقيم السوية التي تحكم السلوك السليم في المجتمع.

اذن ما دام اللص ليس شخصا سويا ،فليس لنا اولا ان نعجب من سلوكة مثلما لانعجب من سلوك المجانين والمرضى النفسسين..

هناك مثل اجنبي يقول (اللصوص لايعمرون منزلا )حيث انهم لايستفيدون من الاموال التي يسرقونها فلا تجد لهم منزلا عامرا ولاادارة منزلية ناجحة وماهم بارباب اسر ..

وفي الاسلام المال الحرام ممحوق ومنزوع البركة، مصداقاً لقوله تعالى: {يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ}
والسؤال :-اذا كان اللص عاجزا من بناء اسرة فكيف له ان يبني وطنا ؟ من الذي اختار اللص لمنصب رفيع بالحكومة ؟

حتما (هذا اللص)كان معروفا بسلوكة (الشاذ )قبل تسلمه المنصب فكيف تم اختياره؟

لاشك عن تشكيل الحكومة يتم تداول الاسماء المرشحة في بعدها السياسي والاجتماعي (السمعة)وفي بعدها المهني
ثم يقع (الاختيار ) والذي من المفروض ان يكون دقيقا لانه يمثل الجهة التي رشحته.

الرجل الجميلي سرعان ما اعترف على شخصيات وجهات سياسية وحكومية وخلط الاوراق ومازال التحقيق جارياً،لكن لانقول اكثر من أن (شبيه الشيء منجذب اليه) ومن حق الشعب ان يطالب بحقوقه لان هذه الاموال المسروقة هي (اموال الشعب )وان (الفساد )يميت عصب التنمية بالبلد ويوقف عجلة التقدم والتطور ..

اما لماذا لم يستفد اللصوص من الاموال المسروقة فيؤكده المثل العراقي (مال الحرام للحرام )فغالبا ماتبعثر هذه الاموال على بنات الهوى والغواني والراقصات والملاهي ليعود اللص في الصباح خالي الوفاض..

مثلما اللص (العادي)لايبني منزلا فان السياسي الذي سرق اموال الشعب لايبني وطنا ..

وان الاسلام حرم الاعتداء على المال العام وسرقته وعده جريمةً كبرى وإثماً عظيماً يفوق في حرمته ومسؤوليته سرقة المال الخاص؛ نظراً لتعلق حق عموم المجتمع به. وقد سمّت الشريعة الإسلامية هذا الفعل بالـ “غلول” أو الاختلاس والتخوّض في مال الله بغير حق.

واذا كانت سرقة المال الخاص يكون الخصم شخصاً واحداً، أما في المال العام فالخصم هو الأمة بأكملها.

وصعوبة تبرئة ذمة السارق يوم القيامة إلا بمسامحة أصحاب الحق، ومستحيلٌ استرضاء شعب كامل يومئذٍ.

ونختم بما جاء في القرآن الكريم: قال تعالى:(وَمَن يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ۚ ثُمَّ تُوَفَّىٰ كُلُّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ).
قال الرسول الكريم صلى الله عليه واله وسلم : «إنَّ رجالاً يَتَخَوَّضُونَ في مالِ اللهِ بغيرِ حقٍّ، فَلَهُمُ النارُ يومَ القيامةِ» .

ترى هل سنسترد الاموال المسروقة من اموال الدولة عملا بما جاء في خطبة الامام علي عليه السلام الشهيرة: “واللهِ لَوْ وَجَدْتُهُ قَدْ تُزُوِّجَ بِهِ النِّسَاءُ، وَمُلِكَ بِهِ الْإِمَاءُ، لَرَدَدْتُهُ؛ فَإِنَّ فِي الْعَدْلِ سَعَةً”..

الله اعلم