الثلاثاء - 23 يونيو 2026

حين يتحول الدين والمعتقد إلى شماعة للفشل..!

منذ ساعتين
الثلاثاء - 23 يونيو 2026

الكاتب والباحث بالشأن السياسي أثير الشرع ||

 

 

 

من أخطر الأزمات التي تواجه الدول والمجتمعات أن يجتمع في أصحاب القرار ضعف الكفاءة مع غياب المساءلة، وأن يتحول المنصب العام من مسؤولية وطنية إلى إمتياز شخصي أو حزبي؛ وعندما تتراكم الأخطاء والفشل الإداري والفساد المالي والسياسي، يبحث البعض عن وسائل للهروب من المحاسبة، فلا يجدون أسهل من الإحتماء بالشعارات الدينية أو المعتقدات العقائدية أو العناوين المقدسة؛ الدين في جوهره منظومة أخلاقية تدعو إلى العدالة والنزاهة وخدمة الإنسان وصيانة الحقوق، لكنه يتحول إلى أداة خطيرة عندما يُستخدم لتبرير الأخطاء أو إسكات النقد أو منح الفاسدين حصانة معنوية لا يستحقونها.

المواطن لا يسأل المسؤول دائماً عن عقيدته أو إنتمائه الفكري، بل يسأله عن المدرسة التي لم تُبنَ، والمستشفى الذي لم يكتمل، والطريق الذي لم يُنجز، والمال العام الذي ضاع بين المشاريع الوهمية وصفقات الفساد، لقد أثبتت تجارب الشعوب أن الإدارة الناجحة لا تُقاس بعدد الشعارات المرفوعة ولا بحجم الخِطابات العاطفية، بل بمستوى الخدمات والتنمية والعدالة وسيادة القانون.

فالدولة التي يكثر فيها الحديث عن الفضائل بينما تنتشر فيها الرشوة والمحسوبية ليست دولة تعاني من نقص في الوعظ، بل من نقص في الإدارة الرشيدة والمحاسبة الحقيقية؛ والمشكلة لا تكمن في الدين أو المعتقد، بل في الذين يحولونه إلى غطاء سياسي، فحين يصبح النقد موجهاً إلى أداء مسؤول معين، يسارع البعض إلى تصوير الأمر وكأنه إستهداف للدين أو للطائفة أو للمقدسات! وبهذه الطريقة يجري خلط متعمد بين المُقدس والبشري، وبين العقيدة التي يحترمها الناس جميعاً وبين أخطاء أشخاص يتولون السلطة والقرار.

إن أصحاب القرار الذين يملكون الشجاعة والثقة لا يخشون النقد ولا يختبئون خلف العناوين الكبرى بل يواجهون الحقائق بالأرقام والإنجازات ويقبلون بالمحاسبة إذا أخطأوا، أما الذين يفشلون في إدارة الدولة ثم يبحثون عن حماية سياسية أو دينية أو إجتماعية لتبرير إخفاقاتهم، فإنهم يسيئون إلى الدين قبل أن يسيئوا إلى الدولة؛ ولعل أخطر ما ينتجه هذا السلوك هو فقدان الثقة، فحين يرى المواطن أن الفساد محمي، وأن الفاشلين يتنقلون من منصب إلى آخر دون مساءلة، وأن الشعارات تُستخدم بديلاً عن الإنجاز، تبدأ الفجوة بالإتساع بين المجتمع ومؤسسات الحكم؛ وعندها لا تكون الأزمة أزمة خدمات أو اقتصاد فقط، بل أزمة شرعية وثقة ومستقبل.

إن الأمم لا تتقدم بالمواعظ وحدها، ولا بالشعارات مهما كانت نبيلة، بل تتقدم حين يكون القانون فوق الجميع، وحين يخضع أصحاب القرار للمحاسبة مثل بقية المواطنين، وحين يُفصل بين قدسية الدين ومسؤولية الإدارة؛ فالفشل الإداري لا يصبح نجاحاً لأنه إرتدى عباءة العقيدة، والفساد لا يتحول إلى فضيلة لأنه إحتمى بشعار ديني أو مذهبي، ويبقى المعيار الحقيقي لأي سلطة هو قدرتها على تحقيق العدالة وخدمة الناس وصيانة المال العام، أما الشعارات مهما كانت براقة، فلن تستطيع إخفاء الحقيقة طويلاً، لأن الشعوب قد تصبر على قِلة الموارد، لكنها لا تصبر طويلاً على الظلم والفساد وسوء الإدارة.

الكاتب والباحث بالشأن السياسي أثير الشرع
٢٣ حزيران ٢٠٢٦