الثلاثاء - 23 يونيو 2026

كيان الفداء وجدلية الخلود: قراءة أنطولوجية في فلسفة الموت المحيي..!

منذ 3 ساعات
الثلاثاء - 23 يونيو 2026

محمد العقيلي ||

 

إن الوجود الإنساني، في عمقه الفلسفي، ليس مجرد استمرارية فيزيائية محكومة بتعاقب الليل والنهار؛ ففي هذا الحساب الزمني يتساوى الكائن الناطق مع النبات والحيوان، بل إنالظلامة الصارخة للصيرورة البشرية تقاس بحجم العطاء الذي يجترحه المرء في لحظاته المصيرية؛ فثمة ذوات لا تبدأ ولادتها الحقيقية إلا لحظة انطفائها المادي، تماما كما تولد الشمعة حين تشتعل لتفنى، أو كالبذرة التي تدفن في جوف العتمة لتمنح الوجود ثمرته.

ومن هذا المنطلق، تتجلى ثورة الإمام الحسين (عليه السلام) بوصفها «ولادة في رحم القتل»، حيث تحول اليوم الواحد، العاشر من المحرم، إلى عمر كامل يتدفق بالعطاء العابر للقرون، ولقد كانت هذه النهضة استجابة لضرورة فكرية وأخلاقية قوامها الالتزام بالقيم في وجه الانحدار القيمي، ومواجهة صريحة لظاهرة المعرفة الجوفاء لدى أولئك الذين يحملون المبادئ كأثقال نظرية ولا يعون جوهر ما يحملون.

إنها ثورة انطلقت لتسترد الإنسان من حالة الاستلاب، ولتعيد تفعيل الفطرة الإنسانية التي فطر الناس عليها، حماية لها من التزييف والارتهان للماديات الزائلة من أموال وأولاد، فكان لا بد للفكر من وقود يدفعه نحو الخلود، ولم يكن هذا الوقود سوى الدم؛ إذ علمنا التاريخ أن الفكرة لا تصبح واقعاً حياً ما لم تعمد بالجود بالنفس، وهو أقصى غايات الجود.

غير أن العظمة الفلسفية لهذه الثورة لا تكتمل إلا بتمظهراتها الوجدانية الجريحة، حيث ملئ فضاء الطف بالظلامة لتكون المحرك الأقوى للضمير الإنساني الخامد.

فكيف للوجدان ألا ينفطر وهو يستحضر تلك التراجيديا الكونية؛ حين يحمل الأب طفله الرضيع ليطلب له قطرة ماء، فيسقى بنبلة تذبح البراءة على صدر الفداء؟ وكيف للروح ألا تهتز لمشهد زينب (عليها السلام) وهي تقود الجواد لأخيها، في لحظة وداع تختصر صراع الكبرياء مع الانكسار، لتكون الشاهدة على احتراق الخيام وتشتت العيال؟

إن هذا المزيج الملحمي بين الفكر القويم والدم القاني والظلامة الصارخة هو الذي أوجد ذلك الصوت المدوي الذي لا تمحو أثره السنون؛ صوت يرفض إعطاء الذليل ويؤكد أن الفرد حين يتحد بمبدئه، يتجاوز فناءه الشخصي ليصبح أمة تسكن ضمير الأحرار.
إنها مدرسة الانتصار بالمظلومية، التي تعلم الإنسانية أن الحفاظ على طيب النفس والوفاء للحق هو الرهان الوحيد الرابح في معركة الخلود الوجودي.