صورة تذكارية مع قاتل أبي..!
قاسم الغراوي ||

ليست السياسة كلها مصالح باردة كما يظن البعض، وليست الدبلوماسية فناً لإلغاء الذاكرة أو غسل الدماء بالابتسامات.
فهناك شعوب تحمل في وجدانها جراحاً أكبر من أن تُختصر بصورة تذكارية أو مصافحة عابرة أمام عدسات الكاميرات.
حين يُغتال قادة الدولة ورموزها، وحين تُنتهك سيادتها وتُراق دماء أبنائها، يصبح السؤال الأخلاقي سابقاً على السؤال السياسي: كيف يمكن أن تقف مبتسماً لالتقاط صورة مع من ترى أنه اعتدى على وطنك أو شارك في إراقة دم أبنائك؟ كيف يمكن ان تقف الى جانب من اغتال الاب الروحي لشعب بالملايين ؟
من هنا يمكن فهم المشهد الإيراني الذي لا يتعامل مع التفاوض بوصفه استسلاماً، ولا مع السلام بوصفه تنازلاً عن الكرامة.
فالوفد الإيراني ليس وفداً سياسياً فحسب، بل يحمل معه ذاكرة دولة دفعت أثماناً باهظة من الحصار والاغتيالات والضغوط والحروب، ويعبر عن رؤية تعتبر أن السيادة ليست شعاراً يرفع في المناسبات، بل حقاً لا يُساوَم عليه.
وعلى امتداد أكثر من ثلاثة عقود، واجهت إيران تحديات هائلة تحت قيادة الاب الروحي لايران الشهيد السيد علي الخامنئي حيث ما تعاقبت الإدارات الأمريكية وتبدلت التحالفات الدولية وتراكمت العقوبات والتهديدات، لكن الموقف المعلن بقي ثابتاً في جوهره وهو لا تفاوض من موقع الإذعان، ولا قبول بانتقاص الحقوق الوطنية تحت ضغط القوة.
قد يختلف كثيرون مع السياسات الإيرانية أو يتفقون معها، لكن الثبات على الموقف في زمن التحولات العاصفة يبقى حقيقة لا يمكن تجاهلها.
فالدول تُقاس أحياناً بقدرتها على الصمود بقدر ما تُقاس بقدرتها على التفاوض وتُحترم عندما تدافع عن مصالحها كما تراها لا عندما تتخلى عنها تحت وطأة الضغوط.
إن السلام الحقيقي لا يُبنى على ذاكرة مثقوبة ولا على تجاهل المظالم، بل على الاحترام المتبادل والاعتراف بالحقوق والسيادة ، وأما السلام الذي يُطلب من الضحية أن تدفع ثمنه وحدها فهو ليس سلاماً بل إعادة إنتاج للصراع بأدوات مختلفة.
ولهذا تبدو بعض الصور السياسية مستحيلة أخلاقياً مهما كانت مغرية إعلامياً. فليس من السهل أن تطلب من أمة ( الوفد الايراني ) أن تبتسم أمام الكاميرا بينما ما زالت ترى في الطرف الآخر صورة قاتل أبيها . وليس من السهل أن تتحول الدماء إلى بروتوكول أو أن تتحول الذاكرة إلى تفصيل هامشي في سجل العلاقات الدولية.
قد تُفتح أبواب التفاوض وقد تُوقّع الاتفاقات ، وقد تتوقف الحروب، لكن الكرامة الوطنية تبقى هي الحد الفاصل بين سلام يصنع المستقبل وسلام يُراد له أن يُبنى فوق أنقاض الذاكرة.
وعلى هذا الاساس فان الوفد الايراني المفاوض حمل معه جرح والم خسارة الاب الروحي الشهيد المرشد الاعلى السيد الخامنئي وحمل حقائب الاطفال التي اغتالتها صواريخ الغدر الصهيو امريكية ، حملوا حقوق شعبهم ووقفوا نداً لند دون تردد اوخوف لانهم عاشوا من اجل الكرامة والعز تحت راية الاسلام .
ولهذا فإن الأمم الحية لا ترفض السلام، لكنها ترفض أن يكون ثمنه النسيان.




