الأربعاء - 17 يونيو 2026

أين العراق من التطور التكنولوجي والتحول الرقمي في الشرق الأوسط؟!

منذ يوم واحد
الأربعاء - 17 يونيو 2026

الكاتب والباحث بالشأن السياسي أثير الشرع ||

 

 

يشهد العالم اليوم سباقاً متسارعاً نحو التحول الرقمي والإعتماد على التكنولوجيا الحديثة بوصفها المحرك الرئيسي للإقتصاد والتنمية والإدارة الحكومية، وفي منطقة الشرق الأوسط، برزت نماذج متقدمة إستطاعت أن تحقق قفزات نوعية في مجالات الذكاء الإصطناعي والخدمات الإلكترونية والحكومة الرقمية،

فيما لا يزال العراق يسعى إلى إيجاد موطئ قدم ثابت له في هذا المسار الحيوي؛ لقد عانى العراق لعقود طويلة من الحروب والعقوبات والأزمات الأمنية والسياسية، الأمر الذي إنعكس بشكل مباشر على قطاع التكنولوجيا والبنية التحتية الرقمية،

ففي الوقت الذي كانت فيه دول المنطقة تستثمر مليارات الدولارات في بناء المدن الذكية وشبكات الإتصالات المتطورة ومراكز البيانات، كان العراق منشغلاً بإعادة بناء مؤسساته الأساسية ومعالجة التحديات الأمنية والخدمية.

ورغم ذلك، شهدت السنوات الأخيرة مؤشرات إيجابية تدل على بداية تحول رقمي تدريجي، فقد توسعت خدمات الدفع الإلكتروني، وإرتفعت نسبة إستخدام الإنترنت والهواتف الذكية، وبدأت المؤسسات الحكومية بإطلاق منصات إلكترونية لتقديم بعض الخدمات للمواطنين، كما ظهرت شركات ناشئة عراقية في مجالات البرمجيات والتجارة الإلكترونية والخدمات المالية الرقمية، ما يعكس وجود طاقات بشرية قادرة على المنافسة والإبداع.

لكن عند مقارنة العراق بدول الشرق الأوسط المتقدمة رقمياً، ما تزال الفجوة كبيرة؛ فدول مثل (الإمارات العربية المتحدة والمملكة العربية السعودية وقطر) وضعت إستراتيجيات طويلة الأمد للتحول الرقمي، وإستثمرت في الذكاء الإصطناعي والحوسبة السحابية والأمن السيبراني والتعليم التقني، الأمر الذي جعلها مراكز إقليمية للتكنولوجيا والإبتكار،

أما العراق فما زال يواجه تحديات متعددة أبرزها ضعف البنية التحتية الرقمية، والإنقطاعات المستمرة للطاقة الكهربائية، وتفاوت جودة خدمات الإنترنت، فضلاً عن البيروقراطية الإدارية وضعف التكامل الإلكتروني بين المؤسسات الحكومية، كما أن محدودية الإستثمار في البحث العلمي والتطوير التكنولوجي تشكل عائقاً أمام بناء إقتصاد رقمي متكامل، ومع ذلك يمتلك العراق عناصر قوة مهمة يمكن أن تؤهله لتحقيق تقدم ملحوظ خلال السنوات المقبلة، فالعراق يمتلك شريحة شبابية واسعة تمثل غالبية السكان،

وهي شريحة تتعامل يومياً مع التكنولوجيا ووسائل الإتصال الحديثة، كما أن السوق العراقية الكبيرة تشكل بيئة جاذبة للإستثمارات التقنية إذا ما توفرت التشريعات المناسبة والبيئة المستقرة.

إن التحول الرقمي في العراق لم يعد ترفاً إدارياً أو خياراً مؤجلاً، بل أصبح ضرورة إقتصادية وأمنية وتنموية فالحكومة الإلكترونية قادرة على تقليل الفساد الإداري، وتبسيط الإجراءات، وتحسين الخدمات العامة، فيما يمكن للإقتصاد الرقمي أن يخلق فرص عمل جديدة للشباب ويعزز التنوع الإقتصادي بعيداً عن الإعتماد المفرط على النفط،

ولكي يلحق العراق بركب التطور التكنولوجي في المنطقة، فإنه بحاجة إلى إستراتيجية وطنية شاملة تتضمن تحديث البنية التحتية الرقمية، وتطوير التعليم التقني، ودعم الشركات الناشئة، وتعزيز الأمن السيبراني، وتوسيع نطاق الخدمات الحكومية الإلكترونية، كما أن الشراكة بين القطاعين العام والخاص ستكون عاملاً أساسياً في تسريع عملية التحول الرقمي وتحقيق نتائج ملموسة على أرض الواقع،

وفي المحصلة يمكن القول إن العراق لم يخرج من سباق التكنولوجيا، لكنه ما زال في المراحل الأولى مقارنة بعدد من دول الشرق الأوسط، والفرصة ما زالت قائمة أمامه لتحقيق قفزة رقمية حقيقية إذا ما توفرت الإرادة السياسية والرؤية الإستراتيجية والإستثمار الجاد في الإنسان والتكنولوجيا فمستقبل الدول لم يعد يقاس فقط بحجم ثرواتها الطبيعية، بل بقدرتها على إنتاج المعرفة وتوظيف التكنولوجيا في خدمة التنمية والإزدهار.

الباحث في الشأن السياسي أثير الشرع
١٦ حزيران ٢٠٢٦